بدأ الكنيست الإسرائيلي في منتصف الشهر الجاري، آذار، عطلة الربيع التي ستنتهي في أوائل أيار المقبل، وهي فترة تزول فيها الضغوط البرلمانية، رغم أن الائتلاف الحاكم يُظهر ثباتا بأغلبيته الهشة. وبينما تنشغل إسرائيل باستقبال آلاف المهاجرين الجدد من أوكرانيا أساسا، وأيضا من روسيا، فإن الاقتصاد الإسرائيلي سيغرق هذا العام، كما يبدو، في نسبة تضخم مالي لم يعرفها منذ ما يزيد عن 10 أعوام، وسط ارتفاع كلفة المعيشة للجمهور، في حين أعلنت البنوك الإسرائيلية الكبرى عن تسجيل أرباح غير مسبوقة، ومعها شركة النقليات البحرية الإسرائيلية، رغم دور كلفة النقل البحري في رفع الأسعار.
بعد الإعلان عن "اتفاقيات أبراهام" ودخول أربع دول عربية، هي الإمارات العربية المتحدة، البحرين، المغرب والسودان، في علاقات تطبيع مع إسرائيل، يكاد لا يمر أسبوع واحد بدون أن يتم توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في المجالات الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، الأكاديمية، السياسية، الأمنية والاستخباراتية. على سبيل المثال، في بداية شباط 2022، زار وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، البحرين وقام بتوقيع اتفاقية تم اعتبارها بأنها تاريخية.
أصبح واضحاً للجميع الآن أن آثار جائحة كورونا على المجتمعات البشرية، منذ ظهورها في أواخر العام 2019 وحتى يومنا هذا مروراً بفترات تفاقمها التي لم تنته بعد، قد طالت مختلف مجالات الحياة ويبدو أن ما لم يظهر منها حتى الآن أكثر بكثير مما ظهر. ورغم أن الحديث عن هذه الجائحة يتركز، بصورة أساسية، في المجال الصحي/ الطبي وما أوقعته من أضرار جسيمة فيه، إلا إن دراسات الجائحة وآثارها وتداعياتها لم تقفز عن أي مجال من مجالات الحياة البشرية الحيوية، وفي مقدمتها الآثار الاقتصادية والاجتماعية بالطبع. ومن ضمن الآثار الاقتصادية والاجتماعية هذه، ثمة انشغال كبير وواسع في ما سببته الجائحة من زعزعة للاستقرار في أسواق العمل التي تعرضت لانتكاسات وتحولات فجائية حادة وعميقة ترتبت على الإغلاقات الشاملة لجميع مرافق الحياة في العديد من الدول والمجتمعات وما ترتب على ذلك من إخراج منظم وجارف للعمال في قطاعات العمل المختلفة إلى عطل إجبارية منظمة وطويلة المدى، ثم الانتقال تدريجياً إلى بديل العمل من المنزل وما تلا ذلك من استقالات واسعة وطرد جماعي من العمل وتقليصات في أجور العاملين وحقوقهم.
من المرجّح أن ترافقنا فترة طويلة التحليلات المتعلقة بالتحوّلات السياسية التي ستسفر عنها الحرب الروسية ضد أوكرانيا أو ما بات يُعرف بـ"الأزمة الأوكرانية"، ولا سيما بعد أن تخفت حدّة ألسنة اللهب.
ومن المؤكد أن هذه التحولات ستنطوي على انعكاسات تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وسيكون لها تأثير في إسرائيل.
ويبدو أن التأثير بالنسبة إلى إسرائيل سيكون إلى درجة كبيرة رهن سلوكها حيال الحرب وتداعياتها، ولا سيما موقفها من روسيا والذي لا ينطوي حتى الآن على جانب مُعلن من الصدامية، كي لا نقول إنه منطوٍ على قدرٍ من الممالأة.
فهمُ هذا الموقف الإسرائيلي يتطلّب قراءة مُجدّدة لتاريخ العلاقات بين الدولتين منذ انهيار الاتحاد السوفييتي العام 1991، كون قراءة كهذه قادرة على وضع الأمور في نصابها وسياقاتها. ومن أجل ذلك سنستعين بمواد نُشرت سابقاً في "المشهد الإسرائيلي".
بداية لا بُدّ من التذكير بأن العلاقات الثنائية بين البلدين شهدت تقلبات حادّة، بدأت مع دعم غير محدود قدمه الاتحاد السوفييتي السابق إلى دولة إسرائيل، عشية قيامها ولدى تأسيسها في العام 1948. ولكن رئيس الحكومة الأول في إسرائيل، ديفيد بن غوريون، اختار في بداية الخمسينيات اعتبار إسرائيل جزءا من "معسكر الدول الديمقراطية الغربية" فأخذت السياسة الإسرائيلية بالتقرب إلى الدول الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، والابتعاد عن الاتحاد السوفييتي تدريجياً، حتى الانحياز الإسرائيلي التام إلى المعسكر الغربي. وفي شباط 1953، وقعت عملية تفجيرية في الممثلية السوفييتية في تل أبيب، فكان الرد السوفييتي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
الصفحة 257 من 966