في أعقاب المفاوضات التي استضافتها مدينة العلمين المصرية، أعلنت حركة حماس يوم 31 تموز 2026 موافقتها على مسودة اتفاق تتناول بصورة تفصيلية آليات التعامل مع سلاحها في قطاع غزة، وذلك ضمن مسار تنفيذ خطة السلام الأميركية المكونة من عشرين نقطة. وتبحث المسودة في نوع السلاح المشمول وآليات جمعه وتخزينه والجهة المسؤولة عن الرقابة، وعلاقة ذلك بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وترتيبات إدارة القطاع.
ورغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق بأنه "إنجاز تاريخي"، كشفت المواقف المعلنة استمرار خلاف جوهري حول ترتيب التنفيذ. فحماس تربط أي خطوة لحصر السلاح أو تخزينه بانسحاب إسرائيلي متزامن من القطاع، بينما تشترط إسرائيل نزع سلاح الحركة وتجريد غزة منه قبل أي انسحاب.
وتوزع الموقف الإسرائيلي الرسمي بين ثلاثة اتجاهات واضحة، إذ اشترط رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو نزع سلاح حماس بالكامل قبل أي انسحاب، ورأى الوزير بتسلئيل سموتريتش أن تخزين السلاح أو نقله إلى جهة فلسطينية لا يحقق مطلب نزع السلاح، وطالب بإخراجه من قطاع غزة أو تدميره. في المقابل، رفض الوزير إيتمار بن غفير الاتفاق من أساسه.
تتناول هذه المساهمة أبرز آراء الباحثين والصحافيين الإسرائيليين الذين ناقشوا مسودة الاتفاق، وقد انتظمت مواقفهم ضمن ثلاثة اتجاهات رئيسة: الأول، يرى أن الحديث عن اتفاق مكتمل لا يزال مبكرًا في ظل اختلاف الأطراف على تعريف نزع السلاح وترتيب تنفيذه. والثاني يركز على العقبات التي قد تعرقل الاتفاق، وفي مقدمتها الخلاف على أولوية الانسحاب أو نزع السلاح وضعف الجهات البديلة لحكم حماس. أما الاتجاه الثالث، فيتناول ما تنطوي عليه المسودة من غموض وثغرات جوهرية قد تسمح لحماس بالاحتفاظ بجزء من سلاحها وإعادة بناء قوتها، ومواصلة نفوذها داخل مؤسسات الحكم والأمن الجديدة.
الاتفاق المكتمل لا يزال مبكرًا
في مقال نشرته القناة 12، يرى هرئيل حوريف - الباحث في مركز موشيه ديان في جامعة تل أبيب- أن الحديث عن اتفاق لنزع سلاح حماس لا يزال سابقًا لأوانه؛ لأن الأطراف المعنية تقدم ثلاث قراءات متعارضة لما جرى التفاهم عليه. فحماس تقبل بتخزين السلاح الثقيل داخل قطاع غزة تحت الرقابة مع الاحتفاظ بالسلاح الخفيف، وتربط التنفيذ بانسحاب الجيش الإسرائيلي ووقف الاغتيالات وتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية.
أما مجلس السلام والإدارة الأميركية، فيتحدثان عن نزع السلاح الثقيل والخفيف وتدمير الأنفاق ومخازن الذخيرة ومنشآت الإنتاج مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي. في المقابل، تطالب إسرائيل بإخراج السلاح من القطاع وتجريده منه بالكامل وترفض أي حضور لحماس داخل منظومة الحكم الجديدة.
ويعتقد حوريف أن حماس تعيد عرض موقفها التقليدي بصياغة مختلفة، ولا تقدم تنازلًا حقيقيًا عن قدرتها العسكرية أو نفوذها السياسي. فهي تسعى إلى تجميد جزء من سلاحها من دون تدميره وإبقائه داخل القطاع بحيث يظل قابلًا للاستعادة، كما تطالب بإدماج نحو أربعين ألفًا من موظفيها في أجهزة الإدارة الجديدة. ووفق هذه القراءة، "تحاول الحركة الحفاظ على وجودها المدني والتنظيمي من خلف حكومة التكنوقراط مع تجنب الظهور كطرف استسلم أو تخلى عن مبدأ المقاومة".
ويخلص حوريف إلى أن التفاؤل الذي أظهره الرئيس الأميركي يعكس رغبة سياسية في إعلان إنجاز أكثر مما يعكس اتفاقًا مكتملًا. فإسرائيل تدرك أن المقترح الحالي قد يسمح لحماس بالاحتفاظ بالسلاح الخفيف وبنفوذ مدني واسع، ولذلك بدأت تبتعد عنه.
من جانبه، يرى يوسي عمروسي - الباحث في معهد مسغاف - في مقابلة مع قناة I24 أن نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة من السلاح يجب أن يسبقا أي اتفاق أو انسحاب إسرائيلي أو عملية لإعادة الإعمار. ويشترط لذلك أن تسلّم حماس أسلحتها وخرائط الأنفاق إلى إسرائيل وألا يندمج عناصرها وموظفوها في حكومة التكنوقراط المقترحة؛ لأن بقاءهم داخلها - وفق تقديره - يتيح للحركة إمكان الاحتفاظ بنفوذها في بنية الحكم الجديدة. كما يدعو إلى تشجيع الهجرة من القطاع والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على المناطق التي يحتلها الجيش حاليًا.
ويتفق مع ما سبق ما كتبه إفرايم عنبار – الباحث في معهد القدس للاستراتيجيا والأمن - في مقال نشرته القناة 12، إذ يرى أن نزع سلاح حماس بالكامل والقضاء على نفوذها في قطاع غزة هدفان يصعب تحقيقهما. لذلك يعدّ القضاء الكامل على الحركة أو تحقيق "النصر المطلق" هدفًا غير واقعي؛ لأن التنظيمات المسلحة التي تستند إلى تأييد اجتماعي وتتلقى دعمًا ماليًا وعسكريًا من الخارج يصعب استئصالها بالقوة العسكرية.
ويرى عنبار أن استمرار تقسيم القطاع، مع بقاء حماس في منطقة محدودة وخضوع بقية المناطق للسيطرة الإسرائيلية، يخدم المصالح الإسرائيلية أكثر من إعادة احتلال غزة كاملة. فالاحتلال الشامل سيحمّل إسرائيل مسؤولية نحو مليوني فلسطيني ويستنزف الجيش في حرب عصابات طويلة، ويفرض خسائر بشرية وتكاليف اقتصادية وسياسية مرتفعة. لذلك يقترح الإبقاء على الوضع القائم، مع تنفيذ عمليات عسكرية دورية تقلص قدرات حماس وتمنعها من استعادة قوتها من دون الدخول في احتلال شامل للقطاع.
ثلاث عقبات أمام الاتفاق
يرى أودي ديكل - الباحث في معهد أبحاث الأمن القومي – في مقال له أن موافقة حماس المبدئية على الاتفاق لا تعبّر عن قرار حقيقي بالتخلي عن سلاحها، وإنما عن مرونة تكتيكية فرضها الضغط العسكري الإسرائيلي وتوسع سيطرة الجيش داخل القطاع. وتهدف الحركة - وفق تقديره - إلى كسب الوقت وضمان بقائها السياسي والعسكري، ويرى أن تنفيذ الاتفاق يواجه ثلاث عقبات رئيسة، وهي على النحو التالي:
الأولى: الخلاف على ترتيب الخطوات، إذ تطالب حماس بالانسحاب الإسرائيلي قبل نزع السلاح، بينما تشترط إسرائيل نزع السلاح كاملًا قبل الانسحاب.
الثانية: ضعف الجهات التي يفترض أن تتولى إدارة غزة بعد حماس فاللجنة الفلسطينية لم تدخل القطاع، والشرطة الجديدة لم تكتمل والقوة الدولية تواجه صعوبة في تشكيل قواتها.
الثالثة: تمسك قطر وتركيا ببقاء حماس طرفًا سياسيًا، وسعيهما إلى تحميل إسرائيل مسؤولية فشل الاتفاق.
ويقترح ديكل أن توافق إسرائيل على الاتفاق من حيث المبدأ، مع ربط أي انسحاب بتنفيذ فعلي لنزع السلاح، ووجود رقابة دولية واضحة وانتقال الحكم والأمن إلى اللجنة الفلسطينية والشرطة الجديدة. كما يقترح أن تبدأ هذه الجهات عملها في رفح والمنطقة الواقعة بين الخط الأصفر والخط البرتقالي ثم تتوسع تدريجيًا داخل القطاع.
غموض وثغرات جوهرية
في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم 2 آب 2026، كتب رونين بيرغمان أن خريطة الطريق المقترحة لقطاع غزة تتضمن ثغرات جوهرية، تجعلها أقرب إلى مقامرة سياسية وأمنية منها إلى اتفاق يضمن نزع سلاح حماس ومنعها من إعادة بناء قوتها، ومنها:
أولًا: تُلزم الخطة إسرائيل بوقف العمليات والاغتيالات، والانسحاب إلى الخط الأصفر واستئناف البروتوكول الإنساني، قبل أن تبدأ حماس بتخزين سلاحها. ويرى بيرغمان أن إسرائيل تقدم بذلك التزامات واسعة ومسبقة، في غياب جدول زمني وضمانات واضحة لتنفيذ حماس تعهداتها.
ثانيًا: لا تنص الخطة على نزع سلاح حماس أو تجريد غزة منه، وإنما على تعطيل السلاح الثقيل وتخزينه داخل القطاع مع بقاء مصير السلاح الشخصي غامضًا. ويرى بيرغمان أن ذلك قد يسمح لحماس بتسليم جزء من سلاحها، وإخفاء الجزء الآخر واستعادة الأسلحة المخزنة لاحقًا.
ثالثًا: لا تمنع الخطة حماس من الاحتفاظ بنفوذها داخل مؤسسات الحكم والأمن الجديدة، إذ تسمح ببقاء قادتها وعناصرها في القطاع واندماج موظفي أجهزتها بعد فحص أمني. ويرى بيرغمان أن الحركة قد تخرج من الحكومة رسميًا ثم تعود إلى الإدارة والشرطة عبر كوادرها، بينما قد تحد قوة الاستقرار الدولية من حرية عمل الجيش الإسرائيلي.
ويستنتج بيرغمان أن خريطة الطريق لا تحقق الشروط التي أعلنها نتنياهو سابقًا لإنهاء الحرب، ولا تضمن تفكيك حماس أو منعها من إعادة التسلح. لذلك، يصف بيرغمان الخطة بأنها "هزيمة سياسية لنتنياهو ومقامرة بالنسبة إلى إسرائيل؛ لأن النجاح الذي تعد به لا يزال احتمالًا غير مضمون في ظل غياب الجدول الزمني وعدم اختبار آليات الرقابة وبقاء السلاح داخل قطاع غزة".
ويتقاطع أمير بار شالوم - المحرر العسكري لموقع "زمان إسرائيل" - في مقال له نشر يوم 2 آب 2026 مع ما طرحه بيرغمان، إذ يرى أن صياغة الاتفاق غامضة ما قد يتيح لحماس تقديم جزء محدود من سلاحها إلى جهة ثالثة مع الاحتفاظ بمعظم قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية داخل القطاع، فيما تبقى قضايا أساسية، مثل الصواريخ والقذائف والأنفاق ومنشآت إنتاج السلاح، مفتوحة على تفسيرات مختلفة.
كما يشير إلى أن إسرائيل لا تشارك حتى الآن في آلية نزع السلاح أو في تحديد ما إذا تحقق التجريد الفعلي، وهو ما يثير مخاوف من أن تفرض واشنطن انسحابًا إسرائيليًا جزئيًا لإظهار تقدم المسار قبل التأكد من تنفيذ حماس التزاماتها. ويضيف بار شالوم أن قيادة خليل الحية للمفاوضات وتوافق مصر وقطر وتركيا مع مطالب حماس يعززان الشكوك الإسرائيلية في أن الاتفاق قد يمنح الحركة غطاءً سياسيًا للاحتفاظ بقوتها بدل تفكيكها.
في السياق نفسه، يرى عوزي رابي - رئيس مركز موشيه دايان في جامعة تل أبيب- في مقالنشر في موقع "واللا" بتاريخ 2 آب 2026 أن الاتفاق المعلن قد يغيّر شكل حماس من دون أن يفككها فعليًا؛ لأن الغموض في تعريف نزع السلاح ودور الحركة داخل الإدارة الجديدة يسمح لكل طرف بقراءة الاتفاق وفق مصالحه.
ويؤكد رابي أن الاختبار الحقيقي لا يقتصر على تسليم جزء من السلاح، وإنما يشمل تفكيك مصادر قوة حماس كاملة بما فيها السلاح الثقيل والخفيف والأنفاق، والتمويل والأجهزة الأمنية والكوادر المدنية والقيادة الخارجية. فإذا بقيت هذه العناصر، ستنتقل حماس من حكم معلن إلى نفوذ غير مباشر داخل الشارع والمؤسسات الجديدة. لذلك، يدعو رابي إلى قبول الاتفاق مع صياغة بنوده بوضوح وتشديد الرقابة عليها، بحيث تنشئ بديلًا مدنيًا وأمنيًا حقيقيًا، وتمنع حماس من إعادة إنتاج سيطرتها تحت مسمى جديد.
من جهته، يدعو رفيف دروكر في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" يوم 3 آب 2026 إسرائيل إلى قبول خطة مجلس السلام، لأن الانسحاب المقترح سيكون تدريجيًا ومشروطًا بتنفيذ حماس التزاماتها، وهو ما يحد من المخاطر. ويعتقد دروكر أن حماس باتت ضعيفة ومستعدة لتقديم تنازلات غير مسبوقة، وأن تفكيك ما تبقى من قوتها يمر عبر إقامة حكومة تكنوقراط ونشر قوة دولية وتوفير تمويل خارجي لا عبر شن حرب جديدة. كما يحذر من أن رفض الخطة قد يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويمنح نتنياهو ذريعة لاستئناف الحرب قبل الانتخابات.
ختامًا، يتضح من مجمل هذه القراءات أن الجدل الإسرائيلي حول مسودة الاتفاق لا يدور حول قبوله أو رفضه بقدر ما يتمحور حول غموض تعريف "نزع السلاح" وترتيب خطواته. فبين من يرى الاتفاق سابقًا لأوانه ومن يحذر من عقباته البنيوية ومن يكشف عن ثغراته التفصيلية، تلتقي آراء الباحثين والكتّاب الإسرائيليين على أن الصياغة الحالية من شأنها أن تتيح لحماس هامشًا للاحتفاظ بجزء من قوتها العسكرية ونفوذها السلطوي، وأن الاختبار الحقيقي للاتفاق يكمن في آليات الرقابة والتحقق التي سترافق تنفيذه، لا في مُجرّد التوقيع عليه.