حول دلالة تحوّل قضية "التدخل في الانتخابات البرلمانية" إلى موضوع أمني وسياسي حاضر بقوّة في النقاش العام في إسرائيل!

تقارير، وثائق، تغطيات خاصة

بشكل لافت وغير مسبوق، تحولت قضية "التدخل في الانتخابات البرلمانية"، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى موضوع أمني وسياسي حاضر في النقاش العام في إسرائيل، وذلك في ظلّ اقتراب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين واتساع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في الحملات الانتخابية حول العالم. وقد تدرّج هذا النقاش من تحذيرات مؤسسية بشأن قدرة إسرائيل على حماية العملية الانتخابية إلى اتهامات طاولت دولًًا في الإقليم وشخصيات قيادية فلسطينية والأحزاب الفلسطينية- العربية داخل إسرائيل. ففي 23 حزيران 2026، حذّر رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، من احتمال دخول الانتخابات "لحظة أزمة"، مشيرًا إلى تداخل الحدود بين المسموح والمحظور، وقد جاء تحذيره بالتزامن مع مطالب داخل اللجنة بالكشف عن مستوى الاستعداد لمواجهة التدخلات الخارجية، والمعلومات الكاذبة، والاستخدام المضلل للذكاء الاصطناعي.

وقد اتخذ النقاش منحى أكثر وضوحًا في 27 تموز، خلال جلسة عقدتها "اللجنة الفرعية للاستخبارات" في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بحضور سولبرغ ورئيس جهاز الأمن العام "الشاباك"، ديفيد زيني، حيث حذر رئيس اللجنة، عضو الكنيست بوعاز بيسموت من حزب الليكود، من أن إيران "ستتعامل مع الانتخابات كساحة إضافية للمواجهة، وستعمل على تعميق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي والتأثير في إرادة الناخبين عبر الحسابات الآلية والتمويل الخارجي ووسائل أخرى". وفي الجلسة نفسها، أكد سولبرغ أن لجنة الانتخابات تستعد لمواجهة التهديدات في مجالي المعلومات والسايبر، وأنها ستعمل على منع انتحال الهوية والتضليل والتلاعب بالمضامين الانتخابية. وفي موازاة التركيز على إيران، نقلت بعض المصادر الإسرائيلية عن جهات في المنظومة الأمنية أنها رصدت محاولات تركية لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي بهدف التأثير في الانتخابات الإسرائيلية وتعميق الانقسامات الداخلية.

في ضوء ذلك، وسّع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هذا النقاش ليشمل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي الذي يقضي حكمًا مؤبدًا في السجون الإسرائيلية منذ 24 عامًا، وكذلك الأحزاب العربية في إسرائيل، حيث استند بذلك إلى تقرير أعدته "إدارة مصلحة السجون"، ادّعى أن البرغوثي ينقل عبر محاميه رسائل إلى الأحزاب العربية يدعوها فيها إلى خوض الانتخابات ضمن قائمة موحدة، معتبرًا أن الهدف "هو تعزيز قدرتها على التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة وإبعاده من وزارة الأمن القومي، بما يسمح بتغيير السياسات المفروضة على الأسرى الفلسطينيين" منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، وقد قدّم بن غفير هذه "الاتصالات" المفترضة ضمن الحديث عن محاولات التأثير في الانتخابات الإسرائيلية، بالرغم من اختلافها من حيث طبيعتها وأدواتها عن عمليات التأثير الرقمي التي تنسبها الأجهزة الإسرائيلية إلى دول أجنبية.

تشير هذه التصريحات إلى ما يمكن عدّه اتساعًا متسارعًا في تعريف "التدخل في الانتخابات"، حيث يجمع هذا المصطلح- الذي يعد جديدًا نسبيًا في النقاش السياسي الإسرائيلي- بين نشاطات رقمية يتم نسبها إلى إيران وتركيا، وتحركات سياسية فلسطينية لا تستند إلى معطيات حقيقية ومثبتة، ومساعي الأحزاب العربية إلى توحيد قوائمها الانتخابية التي رغم أنها ليست المرة الأولى، حيث يمنح هذا الخلط كتل اليمين الإسرائيلي مجالًًا لربط المشاركة السياسية العربية بتهديدات أمنية خارجية، ويضعها داخل خطاب التشكيك في شرعية الفاعلين والنتائج الانتخابية على حدِّ سواء. في هذا السياق، تأتي هذه المساهمة لتقدم استعراضًا شاملًا لمقال نشرته تهيلا شفارتس ألتشولر، ضمن منشورات "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" بعنوان: "ليس عبر السيرفرات الإيرانية فقط: هل إسرائيل مستعدة لمواجهة التأثير الأجنبي في الانتخابات؟"، حيث ينقل المقال النقاش إلى مسؤولية المؤسسات الإسرائيلية، وآليات عمل حملات التأثير، ومساهمة الفاعلين الإسرائيليين في هذا التضخيم، وكيف من الممكن أن يتم استخدام هذه الاتهامات أداةً في الصراع السياسي الداخلي مع اقتراب الانتخابات المزمع عقدها في نهاية تشرين الأول المقبل.

عطب في النقاش الرسمي!

تنطلق ألتشولر من الجلسة التي عقدتها "لجنة الاستخبارات" التابعة للجنة الخارجية والأمن المشار إليها سابقًا، حيث ركزت الجلسة، بحسبها، على كيفية تحديد الحسابات الإيرانية وإزالة الدعاية الأجنبية من شبكات التواصل الاجتماعي، من دون معالجة الأسئلة المتعلقة بالجهة المسؤولة عن إدارة الملف، وبآليات عمل حملات التأثير، وباستخدام اتهامات التدخل الخارجي في المنافسة السياسية الداخلية. تشير الكاتبة إلى أن التدخل الأجنبي قد يتخذ أشكالًًا متعددة، تشمل النشاط السياسي المباشر، وتمويل منظمات وهيئات، وتنفيذ عمليات للتلاعب بالمعلومات والتدخل فيها، وهي العملية التي تطلق عليها مصطلح (FIMI)[1].

وبحسب ألتشولر، تعتمد بعض هذه العمليات على نشر كميات كبيرة من المضامين بهدف رفعها عبر خوارزميات المنصات، أو على تشغيل شبكات من الحسابات الآلية والمزيفة والمنتحلة للهويات، حيث تسعى هذه الشبكات إلى خلق انطباع بوجود تأييد شعبي واسع لموقف معين أو حملة سياسية، بالرغم من أن النشاط الظاهر لا يعكس حركة اجتماعية فعلية. من ناحية ثانية، تقسّم ألتشولر مضامين حملات التأثير هذه إلى ثلاثة أنواع: رسائل تعمّق الاستقطاب الاجتماعي، ومضامين تهدف إلى إرباك قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقي والمزيف، وأكاذيب تستهدف الإجراءات الديمقراطية بشكل مباشر، سواءً أكان ذلك من خلال تثبيط المشاركة في الانتخابات أو زعزعة الثقة في نتائجها لاحقًا.

كيف ينتقل هذا التأثير إلى الواقع الانتخابي؟

تحذر ألتشولر من حصر حملات التأثير في شبكات التواصل الاجتماعي، لأن العمليات الرقمية قد تتحول إلى أفعال ميدانية ذات أبعاد أمنية وسياسية، وتورد في هذا الجانب أمثلة على توجيه رسائل شخصية إلى مواطنين وعرض أموال عليهم في مقابل تصوير قواعد عسكرية أو تنفيذ مهمات محددة. من ناحية ثانية، قد تقوم جهات أجنبية بإنشاء حسابات وهمية تتسلل تدريجيًا إلى مجموعات محلية في تطبيقات مثل واتساب وتيليغرام، بما يسمح لها بالتأثير في نقاشات تبدو داخلية وعفوية، كما يمكن أن تترافق هذه الأنشطة مع اختراق لقواعد البيانات، أو تعطيل أنظمة معلومات، أو تسريب وثائق في توقيت سياسي حساس ومدروس مسبقًا من هذه الجهات. وعليه، ترى ألتشولر أن التداخل بين هذه الأدوات يجعل الفصل بين الفضاء الرقمي والواقع المادي أقل وضوحًا، لأن الحملة قد تبدأ بمنشور أو حساب مزيف، ثم تنتقل إلى النقاش السياسي أو النشاط الأمني أو الحياة اليومية بشكل مباشر وسريع.

تشتّت المسؤوليات وغياب جهة

 مركزية لمواجهة التدخلات الخارجية

تضع ألتشولر غياب جهة مركزية واحدة في إدارة هذه القضية في صلب المشكلة، حيث لا توجد في إسرائيل مؤسسة واحدة تتولى إدارة المواجهة مع التأثير الأجنبي في المجال الرقمي، إذ تتوزع الصلاحيات بين جهاز "الشاباك"، وهيئة السايبر الوطنية، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، ولجنة الانتخابات المركزية، إلى جانب جهات أخرى أقل فاعلية.

وبحسبها، فإن هذا التعدّد قد ينتج عنه غياب تصور موحد وتقسيم واضح للمهام، وقد يعرقل كذلك جمع المعلومات الاستخباراتية وتقييم حجم التأثير وتحديد طبيعة الرد عليه، كما قد يحدّ من القدرة على دراسة هذه العمليات كحملات متكاملة تستخدم أدوات رقمية وأمنية وسياسية في الوقت نفسه. ولذلك تؤكد ألتشولر على أن المشكلة لا ترتبط بالانتخابات وحدها، لأنها قد تمسّ قدرة المؤسسات الإسرائيلية على التعامل مع محاولات تستهدف المجتمع والنقاش العام والثقة بالمؤسسات في الفترات العادية.

نقد دور الفاعلين في إسرائيل

تستخدم ألتشولر مفهوم "التواطؤ الافتراضي" لتفسير نجاح حملات التأثير هذه، وعلى الرغم من أنها لا تقصد بذلك وجود تنسيق مباشر بين الجهة الأجنبية وأطراف محلية، لكنها تؤكد على اعتماد هذه الحملات على سياسيين وإعلاميين ومستخدمين يعيدون نشر مضامينها ويمنحونها حضورًا داخل النقاش العام، وتعرض في هذا الجانب مثالًًا على ذلك من جلسة حكومية قدم خلالها أحد الوزراء منشورات تدعو إلى قتل رئيس الحكومة، وطالب الوزراء جهاز "الشاباك" بتفسير عدم تحركه ضد أصحابها قبل أن يتضح لاحقًا أن المنشورات كانت جزءًا من عملية تأثير إيرانية. بحسب ألتشولر، فإن الخطير في هذا الجانب هو أن تحقق هذه العملية جزءًا مهمًا من هدفها عندما تنتقل المضامين إلى جلسة حكومية وتتحول إلى قضية سياسية وأمنية، حتى لو تم لاحقًا الكشف عن مصدرها وموثوقيتها، حيث يرتبط نجاحها باستعداد الفاعلين المحليين في إسرائيل لاستخدام المعلومات التي تخدم مواقفهم قبل التحقق من مصدرها.

الأدوات الإسرائيلية المشابهة لعمليات التأثير 

تنتقد ألتشولر تركيز الأجهزة الأمنية في إسرائيل على العمليات التي تقف خلفها دول أجنبية كما يرد في بعض التصريحات الرسمية، مشيرةً إلى أن جهات سياسية إسرائيلية استخدمت تقنيات مشابهة خلال السنوات الأخيرة، من بينها الحسابات المزيفة، والفيديوهات التي يتم توليدها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، والحملات الموجهة للتأثير في أجندة الناخبين من قبل بعض الأحزاب والشخصيات، وترى أن هوية الجهة المشغّلة لا تغير أثر المضمون على المستخدم الذي يتعرّض لمقطع مزيف أو لحملة منظمة، وعندها، الأدوات التي تشوش فهم الواقع وتضعف النقاش العام تلحق ضررًا متقاربًا، سواء كانت تُدار من خارج إسرائيل أو من جهات إسرائيلية. 

وبناءً على هذا التخوف الذي تطرحه، تدعو ألتشولر إلى تقييم الخطر وفق الأدوات المستخدمة وطريقة تشغيلها، بدلًًا من ربطه فقط بمصدر الحملة، كما تشير إلى أن التركيز على شبكات التواصل المفتوحة لم يعد كافيًا، في ظل انتقال جانب من النشاط إلى واتساب وتيليغرام وروبوتات المحادثة وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل الرصد والضبط أكثر صعوبة.

مخاطر تسييس ظاهرة "التدخل الأجنبي"

يتناول المقال خطر استخدام مفهوم "التأثير الأجنبي" داخل الصراع السياسي الحزبي القائم في إسرائيل، فقد ربط رئيس لجنة الاستخبارات بين التدخل الخارجي وما سمّاه بـ "التأثير من الداخل"، ووجّه انتقادات إلى لجنة الانتخابات المركزية نفسها، وذلك إلى جانب الادّعاءات التي ظهرت مؤخرًا والتي أشرنا لها في المقدمة بأن دولًًا وجهات أجنبية تعمل على إسقاط معسكر سياسي ودعم معسكر آخر.

ومع ذلك، تقرّ ألتشولر بضرورة التحقيق في أي محاولة خارجية للتدخل في الانتخابات، لكنها تحذر من استخدام هذه الادعاءات لترويج روايات عن "سرقة الانتخابات"، أو لنزع الشرعية عن المؤسسات التي تديرها، كما ترى أن تسييس الملف قد يحقق النتيجة التي تسعى إليها حملات التأثير نفسها، وهي إضعاف ثقة الجمهور بالمؤسسات وبالنتائج الانتخابية لاحقًا، ولذلك تعتبر أن المواجهة تتطلب سياسة شاملة تتابع أدوات التلاعب بصرف النظر عن هوية الجهة التي تستخدمها، وتمنع تحويل اتهامات التدخل الخارجي إلى وسيلة في الصراع السياسي الحزبي القائم والمتوقع أن يتصاعد مع اقتراب الانتخابات.

[1]  هذا المصطلح هو اختصار لـ Foreign Information Manipulation and Interference.