شكل اللقاء الذي عقد في أواسط شهر شباط الماضي في البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، نقطة الذروة في النشوة التي تلازم اليمين الإسرائيلي، وذلك نتيجة للشرعية التي تمنحها الإدارة الأميركية الجديدة للاستيطان اليهودي في الضفة الغربية.

غير أن دافيد الحياني، رئيس "مجلس مستوطنات غور الأردن"، حذر من أنه في الوقت الذي يحتفلون فيه بالمقولة الأميركية بأن "المستوطنات لا تشكل عقبة في طريق السلام"، فإن الفلسطينيين يعملون، بدعم وتمويل أوروبيين، على إقامة "مستوطنات" خاصة بهم ويفرضون وقائع على الأرض.

وصرح الحياني قائلا: "نحن نرضخ للفلسطينيين، إنهم ينتصرون علينا". وأضاف في مقابلة مطولة أدلى بها مؤخرا لموقع "ميداه" الالكتروني اليميني، وننقل هنا ملخصا لها: "إن وتيرة عمليات الهدم التي تقوم بها الإدارة المدنية متخلفة كثيرا عن وتيرة سيطرة الفلسطينيين على مساحات متزايدة من الأراضي في منطقة غور الاردن.. إننا نخسر منطقة الغور لصالح الفلسطينيين والأوروبيين".

وبحسب قول رئيس هذا المجلس الاستيطاني فإن هناك في منطقة غور الأردن وحدها، والتي تشمل أراضي تصل مساحتها الى 840 ألف دونم، آلاف البيوت والمباني الفلسطينية "غير المرخصة" من قبل السلطات الإسرائيلية. وادعى أن الإدارة المدنية، وهي الهيئة المسؤولة عن إدارة النشاطات المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية "لا تعطي أرقاما دقيقة" بشأن حجم المباني والبيوت الفلسطينية المشيدة بصورة غير قانونية. وأضاف: "على ما يبدو فإن الأرقام لا تصب في مصلحة الإدارة المدنية". وتابع الحياني مدعيا أنه توجه بطلب إلى "وحدة تنسيق" أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (المحتلة)، وهي الوحدة المسؤولة عن الإدارة المدنية، للحصول على المعطيات الدقيقة بشأن كمية المباني الفلسطينية التي شيدت بصورة غير قانونية في منطقة ج، بصورة عامة، وفي منطقة غور الأردن بشكل خاص، وعدد أوامر الهدم التي أُصدرت لها، لكنه بقي دون إجابة.

بحسب الموقع الذي أجرى هذه المقابلة، صحيح أن الإدارة المدنية لا توفر معطيات دقيقة، غير أن إدعاءات الحياني حول التسيب والتراخي في تطبيق القانون على المباني الفلسطينية غير القانونية تجد سندا لها في معطيات الماضي. ففي العام 2014 نشرت حركة يمينية تدعى "رغافيم" تقريرا يحلل معطيات الإدارة المدنية، ويثبت كيف أنه ومن أصل 35 ألف بناية فلسطينية شيدت بصورة غير قانونية في مجمل مناطق ج، والتي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة وتشمل 88% من مساحة منطقة غور الأردن، بلغ عدد ملفات المراقبة على مثل هذه المباني 57ر12 ألف ملف، أي حوالي الثلث فقط.

كما يستدل من التقرير أنه جرى بين عامي 2010- 2012، تنفيذ أوامر هدم ضد 662 بناية فلسطينية غير قانونية، ولكن منها فقط 51 بناية سكنية، بينما الباقي عبارة عن خيام وتخشيبات وحظائر، ومحال خردة للسيارات. في المقابل فقد نفذت الإدارة المدنية في ذات الفترة أوامر هدم لـ127 بناية سكنية تعود لإسرائيليين، "وهو معطى يزيد بنحو 250% عن حجم مبان فلسطينية أصدرت السلطات الإسرائيلية أوامر بهدمها". ويقول الحياني إنه طرأت منذ نشر التقرير زيادة ملحوظة في حجم البناء الفلسطيني غير المرخص قانونيا، لكن الإدارة المدنية تواصل، حسب إدعائه، التركيز بالذات على البناء الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية.

وقال الحياني إن وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، صرح بأنه يوجد ويطبق في المناطق الفلسطينية قانون خاص بالفلسطينيين، وقانون مختلف للمستوطنيين اليهود. وأردف الحياني قائلا: "يؤسفني القول إن كيري محق، إنما فقط بالمعنى المعاكس لما قصده. فالإدارة المدنية تظهر عجزا في كل ما يتعلق بتطبيق القانون على البناء الفلسطيني غير المشروع، بينما توجد لدى رجالات هذه الإدارة، من جهة أخرى، دافعية زائدة لتطبيق القانون على البناء الإسرائيلي غير المرخص".

وأضاف أن رجالات الإدارة المدنية يتعاملون معه "بصورة متعجرفة ومتعالية، وهم يعتقدون أنهم أبطال يستقوون عليَّ لأنني أُحافظ على القانون، بينما لا يفعلون ذلك تجاه الفلسطينيين الذين ينتهكون القانون".

وتابع رئيس مجلس المستوطنات في غور الأردن إدعاءاته قائلا: "إن الفلسطينيين يسخرون منا، لأنهم يدركون بأنهم كلما أخلُّوا أكثر بالقانون، وكلما أقاموا تجمعات آخذة في الازدياد من المباني غير القانونية، فإن فرصة إخلائهم تغدو أقرب الى الصفر. نحن نكافىء الخارجين عن القانون عوضا عن معاقبتهم، ونشجعهم على المضي قدما في بناء المزيد من التجمعات السكنية، وهم يعلمون بأننا في نهاية المطاف، لا نقوم بشرعنة المباني غير القانونية التي يقيمونها وحسب، بل نموِّل إقامتها أيضا، وهو أمر يشكل سخافة صارخة، وأمرا منافيا للعقل والمنطق".

"الفلسطينيون والأوروبيون يفرضون وقائع على الأرض"!

من المنتظر أن "تحتفل" المستوطنات اليهودية في منطقة غور الأردن العام القادم بمناسبة مرور 50 عاما على قيامها.

وكان قرار إقامة مستوطنات إسرائيلية في منطقة غور الأردن قد أُتخذ على خلفية عمليات تسلل عناصر المنظمات الفلسطينية المسلحة من الضفة الشرقية لنهر الأردن الى الضفة الغربية، وذلك في الأشهر الأولى التي تلت "حرب الأيام الستة" (حرب حزيران 1967). وقد قررت الحكومة الإسرائيلية وقتئذ، ردا على عمليات التسلل، نشر شبكة من المستوطنات اليهودية الزراعية، ليقوم أفرادها بزراعة مساحات واسعة من أراضي المنطقة، بما يساهم في إقامة تواصل إقليمي إسرائيلي على امتداد منطقة غور الأردن، بحيث يشكل ذلك ضمانة أمنية في مقابل الجبهة الشرقية. وقد كانت مستوطنة "محولا" هي المستوطنة الأولى التي أُقيمت في المنطقة (1968)، واستخدمت كحلقة فصل وربط بين غور الأردن وغور بيسان.

ووفقا لمعطيات مجلس المستوطنات اليهودية في غور الأردن، فإن هناك حاليا 25 مستوطنة يهودية قائمة في المنطقة (ولا يشمل ذلك مستوطنات منطقة شمالي البحر الميت) يقطنها قرابة 6000 مستوطن. هذا بينما يقدر عدد الفلسطينيين القاطنين في المنطقة ذاتها بنحو 15 ألف نسمة.

وقد صرح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أثناء زيارته للمنطقة في العام 2011، أنه وفي أية تسوية مستقبلية فإن: "الجيش الإسرائيلي يجب أن يبقى مرابطا على امتداد نهر الأردن"، ووصف منطقة الغور بأنها "بوليصة التأمين لدولة إسرائيل". وفي مطلع العام 2015 أوعز نتنياهو بهدم جميع المباني التي شيدها الفلسطينيون بصورة "غير قانونية" في مناطق ج، ومن ضمن ذلك في منطقة غور الأردن أيضا.

ويقول الحياني، الذي يتولى منصب رئيس مجلس مستوطنات المنطقة منذ العام 2009، إن الرسالة التي صدرت عن مكتب رئيس الحكومة لم تصل إلى المنطقة، وأوضح قائلا: "لقد رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا طوال السنوات الأخيرة، التماسات قُدمت ضد إخلاء فلسطينيين بحجة أنه لا يوجد مكان بديل لنقلهم إليه"، وأضاف أن هذا الإدعاء لم ينفع كما هو معروف سكان مستوطنة "عمونه" أو مستوطنات "غوش قطيف" (قطاع غزة).

وتابع قائلا: "إن المشكلة هنا تكمن في أن الإدارة المدنية والنيابة العامة الإسرائيلية تصمتان أثناء بحث الالتماسات، وقيام قضاة المحكمة العليا بإصدار أوامر إحترازية ضد إخلاء الفلسطينيين، مما يفسح المجال أمام فرض وقائع على الأرض في غير مصلحتنا".

في بداية العقد الحالي اشتد التوتر بين رئيس المجلس الاستيطاني دافيد الحياني وبين ضباط ورجالات الإدارة المدنية الإسرائيلية، وذلك في أعقاب شروع الفلسطينيين بتنفيذ ما وصف بخطة "الضم الزاحف"، التي أطلقها سلام فياض في العام 2009 حين كان يشغل منصب رئيس حكومة السلطة الفلسطينية. وتهدف هذه الخطة الى دفع إقامة دولة فلسطينية من جانب واحد، وسط الالتفاف على ضرورة المفاوضات مع إسرائيل، وهي تركز على إقامة بنى تحتية في مناطق ج بالذات، التي تخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، وذلك بهدف خلق ممرات وامتدادات إقليمية فلسطينية داخل هذه المناطق، وفي المقابل بتر إمتدادات الاستيطان اليهودي، وصولا إلى فرض وقائع منتهية على الأرض.


وفي هذا السياق، فقد كشف تقرير حركة "رغافيم" اليمينية، والذي نشر جوهره سابقا في موقع "ميداه" الإلكتروني، عن أن خطة "الضم الزاحف" الفلسطينية تحظى بدعم من جانب الإتحاد الأوروبي الذي يموّل المشروع بمئات ملايين اليورو.

وتتمحور معظم مشاريع الخطة الفلسطينية حول توطين السكان البدو الرحل، عن طريق تشييد مبان وبيوت دائمة في سلسلة من المواقع "غير القانونية"، وتزويدها بشبكات المياه والكهرباء المولدة بالطاقة الشمسية، وما إلى ذلك. وتمتد شبكة التجمعات البدوية في المناطق ج على طول وعرض الضفة الغربية، من سلسلة الجبال الغربية في الضفة باتجاه الشرق وحتى منطقة غور الأردن، ومن جبال جنوب شرقي الضفة باتجاه البادية والبحر الميت.

في الفترة الأخيرة، على سبيل المثال، قضت المحكمة الإسرائيلية العليا بعدم جواز هدم مسجد أُقيم بصورة غير قانونية جنوبي جبل الخليل وذلك في منطقة تتبع مناطق ج. وقد شيد المسجد في مفترق "زيف"، وهي نقطة إحتكاك أمني معروفة تكثر فيها أعمال إلقاء الحجارة والإخلال بالنظام، على بعد عشرات الأمتار فقط من الطريق المؤدي إلى مستوطنات جبل الخليل. وكانت إجراءات تطبيق القانون ضد المسجد قد بدأت منذ العام 1994، غير أنه اتضح من مداولات النظر في الالتماس أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، أن الإدارة المدنية قررت في العام 2009 إلغاء الإجراءات، بل وبادرت الى إضفاء الشرعية على عملية بناء المسجد غير القانونية، دون أن يقدم بناة المسجد طلبا من هذا القبيل أو دون أن يقدموا نهائيا طلبا لإستصدار رخصة بناء.

ويقول الحياني إن "عملية البناء هي العارض فقط، بينما المشكلة الرئيسة تكمن في استخدام الفلسطينيين للمباني، وخاصة في تجمعات البناء، وذلك من أجل الإستيلاء على الأراضي وتعميق الشعور بانعدام الأمن لدى المستوطنين الإسرائيليين"، مشيرا إلى أن الدولة تتركه عاجزا في التصدي لعمليات خرق القانون من جانب الفلسطينيين. وأضاف قائلا: "عندما انطلقت خطة فياض وأخذت أنشطة البناء الفلسطينية غير القانونية تكتسب دفعة حثيثة، قال لي المسؤولون في الإدارة المدنية بأنه ليس لديَّ ما يدعو إلى القلق، وإنه لن ينشأ فراغ في تطبيق القانون تجاه السكان الفلسطينيين.. لقد أضحكني ذلك وقتئذ، ولكن بعدما أصبح من الواضح للجميع حاليا أن هناك فراغا عميقا، فإن الفلسطينيين هم الذين يسخرون منا. إن أشد ما يغضبني هو محاولة المسؤولين "مواساتي" بالقول إن الوضع ليس سيئا كما هو في منطقة صحراء النقب، لكنني أقول أنه إذا ما استمرت الوتيرة على هذا النحو فسرعان ما سنصل الى حالة التسيب القائمة حاليا في النقب".

ويقول الحياني إن الفراغ في تطبيق القانون يلحق الضرر بصحة سكان مستوطنات مجلسه أيضا، فهناك حسب تعبيره "ظواهر تلويث خطيرة للجو جراء إلقاء كميات كبيرة من القمامة وحرق البلاستيك أو الحرائق بصورة عامة"، مدعيا أن سكان القرى الفلسطينية المجاورة هم الذين يتسببون بذلك، وأن الإدارة المدنية الإسرائيلية لا تفعل شيئا من أجل وضع حد لهذا الأمر. وأضاف: "عندئذ أقول لهم- أي للمسؤولين في الإدارة المدنية- دعوني أُطبق القانون على حسابي الخاص، لكنهم يرفضون ذلك بادعاء أنني سأُطبق القانون بصورة انتقائية ضد العرب فقط.. قلت لهم اختبروني، وأعطوني صلاحيات وراقبوني بصورة وثيقة وسوف أُبرهن لكم بأنني سأكون منصفا وعادلا وسوف أُطبق القانون ضد اليهود والعرب على حد سواء. بطبيعة الحال لم يعطوني الصلاحيات التي طلبتها، وفي المحصلة فإن الذين يعانون من جراء ذلك هم المستوطنون اليهود في منطقة غور الأردن".

دافيد الحياني ليس الوحيد أو الأول الذي يزعم وجود انحياز من جانب رجالات الإدارة المدنية. وقد صرح مسؤولون في هذه الإدارة في وقت سابق بأنهم يرفضون أن يكونوا شركاء في فرض عقوبات على الفلسطينيين في أعقاب انضمام حركة "حماس" لحكومة الوحدة الفلسطينية، وذلك بحجة أنه لن يبقى للإدارة المدنية حق في الوجود إذا ما فرضت عقوبات على السكان الذين من وظيفتها خدمتهم. وقد اتضح من مقال كتبته مسؤولة كبيرة سابقة في مكتب المستشار القانوني للإدارة المدنية، وهي الرائد (احتياط) رونيت ليفين، كيف عملت الإدارة المدنية في الظاهر من أجل إلغاء ومصادرة حق اليهود في إستيطان أراض غير مأهولة أو شاغرة في مناطق الضفة الغربية وذلك كجزء من اللعبة السياسية. وقد وجدت سياسة ليفين وزملائها في مكتب المستشار القانوني للإدارة المدنية تعبيرا لها على الأرض، عندما ادعى مستوطنون أن الإدارة المدنية تقوم بـ"ملاحقتهم". ففي الأسابيع الأخيرة على سبيل المثال، أعاقت الإدارة المدنية انتقال المستوطنين الذين جرى إخلاؤهم مؤخرا من مستوطنة "عمونه" (التي أقيمت بصورة غير قانونية على أراض فلسطينية خاصة) إلى مساكن مؤقتة بحجة أن المنطقة غير مخصصة للسكن وأن توطينها سيشكل موافقة على إقامة حي استيطاني جديد، وذلك على الرغم من أن الحديث يدور حول "أراضي دولة" مخصصة لسكان- مستوطنين- تم إخلاؤهم من منازلهم.

وتساءل عضو الكنيست موطي يوغيف (من حزب "البيت اليهودي") مستغربا حول ما إذا كانت الإدارة المدنية "تتصرف كما لو كانت في دولة عالم ثالث!"، مدعيا وجود حالة عجز وإفلاس غير مفهومة من جانب الإدارة المدنية في كل ما يتعلق بتطبيق القانون ضد ما أسماه بـ"إرهاب البناء" الذي يمارسه الفلسطينيون في مناطق ج. واقترح يوغيف تفكيك وتجريد "الإدارة المدنية" الإسرائيلية في الضفة الغربية من صلاحياتها اذا لم تحدث تغييرات فيها.

غضب على الجيش الإسرائيلي أيضا

ثار غضب الحياني مؤخرا على رجالات "الإدارة المدنية" في أعقاب سلوكهم في حادثتين مختلفتين في منطقة غور الأردن، حادثة قرية فصايل الواقعة بين مستوطنتي تومر وبتسال، و"خطة النويعمة"، التي اعتزمت الإدارة المدنية الإسرائيلية في نطاقها إقامة مدينة فلسطينية جديدة إلى الشمال من مدينة أريحا، وذلك بهدف توطين آلاف البدو الفلسطينيين القاطنين بصورة غير قانونية في مناطق توجد لجزء منها أهمية إستراتيجية- أمنية عليا بالنسبة لإسرائيل مثل منطقة ما يسمى بـ"إي 1" (الواقعة بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس)، وبادية الضفة الغربية ووادي القلط وجنوبي غور الأردن.

ويقول الحياني إن "خطة النويعمة" جرت من خلف ظهره وإن الجيش الإسرائيلي سلب منه أراضي عنوة، دون أن يستشيره. وأضاف أن الإدارة المدنية معنية أيضا بتأهيل وشرعنة موقع فصايل الفلسطيني غير القانوني وأنه يحول منذ ثمانية أعوام دون إصدار التراخيص اللازمة لقرية فصايل من أجل شق طرق وصول وتزويدها بشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي على حساب الدولة.

ويشار هنا إلى أن الإدارة المدنية الإسرائيلية تنفذ بين حين وآخر عمليات هدم لبيوت أُقيمت في قرية فصايل، غير أن الحياني يدعي أن الإدارة المدنية تقوم بذلك من باب التظاهر فقط ومن أجل "رفع العتب عنها" ليس إلا، ويقول إن مجلسه الاستيطاني حذّر منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما شرع الفلسطينيون في البناء والسكن في فصايل، مما يجري، ودعا الى حل المشكلة قبل أن تتفاقم وإلى وجوب إخلاء الفلسطينيين من المنطقة. غير أن ذلك لم يحدث كما قال، وهناك حاليا في فصايل قرابة 250 بناية ومن ضمن ذلك مدارس مزودة بالكهرباء وذلك بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

إحدى الجهات المركزية التي يوجه الحياني إصبع الإتهام لها في قضية فصايل، هو منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية الجنرال يوءاف مردخاي، الذي يتولى من ضمن مهام منصبه المسؤولية عن الإدارة المدنية أيضا. وكان مردخاي قد مثل في شهر نيسان من العام الماضي أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست معلنا أن موظفي الإدارة المدنية يقومون بتطبيق القانون ضد البناء الفلسطيني غير المرخص بنسبة أعلى بكثير مما ينفذ تجاه المستوطنين في الضفة الغربية، وقال إن المستوطنين يصورون رجالات الجيش في الإدارة المدنية كما لو أن لديهم ميلا لتطبيق القانون تجاه الإسرائيليين أكثر، وأضاف مؤكدا: "لكنني أقول بصورة قاطعة إن الوضع يميل بشكل جلي لجهة تؤكد أننا نطبق القانون وننفذ عمليات هدم للمباني غير المرخصة في الساحة الفلسطينية أكثر مما نقوم به في الساحة الإسرائيلية".

في المقابل فإن رئيس مجلس مستوطنات غور الأردن يصف الوضع بصورة مختلفة تماما، وقال إنه التقى مع الجنرال مردخاي وإن هذا الأخير قال له بأنهم - أي في الإدارة المدنية- يعملون على دفع الخطة الهيكلية لموقع فصايل قدما. وتابع الحياني أنه توجه شاكيا الى (المستشار القانوني الحالي للحكومة الإسرائيلية) أفيحاي مندلبليت، الذي أشغل وقتها منصب سكرتير الحكومة، وأن الأخير غضب وأصدر على الفور أمرا باسم رئيس الحكومة يقضي بوجوب عرض أية خطة لدفع أعمال ومشاريع البناء الفلسطينية في مناطق ج لنيل مصادقة المستوى السياسي (الحكومي)، تماما كما هو متبع فيما يتعلق بأنشطة البناء والاستيطان اليهودي. وقال الحياني: "بهذه الطريقة فقط نجحنا في إيقاف الخطة". وادعى أن منسق أعمال الحكومة ورجالات الادارة المدنية أسرى مفهوم مؤداه أن قيام السلطات بهدم البناء الفلسطيني سيؤدي الى اندلاع اضطرابات ومواجهات، وأنهم يقولون له إنه اذا أصدرت السلطات التراخيص اللازمة لأعمال التنظيم والبناء في فصايل، وقامت بـ"حصر حدود" القرية بصورة منظمة، فإنها ستتمكن فيما بعد من هدم ما يقوم الفلسطينيون بتشييده من مبان خارج تلك الحدود.

غير أن الحياني يسخر من ذلك قائلا: "إن ذلك أمر سخيف، فهم يعلمون بأن ذلك لن يتم، وأنه سيوجه رسالة ضعف وخوف من جانبنا". وأضاف أن من قام بإخلاء مستوطنين يهودا من "غوش قطيف" ومستوطنة "عمونه"، عليه أن يقوم أيضا بإخلاء السكان البدو من التجمعات غير القانونية في غور الأردن مثلما يفعلون ذلك تجاه التجمعات البدوية (القرى غير المعترف بها) في النقب، وحذر من أن التقاعس والتباطؤ في تنفيذ أعمال وأوامر الهدم في منطقة الغور من شأنه أن يؤدي فقط الى توسع وتمدد التجمعات غير القانونية، وأضاف أن الثمن الدبلوماسي الذي ستدفعه إسرائيل بسبب أعمال الهدم سوف يزداد فقط.

وأشار رئيس مجلس المستوطنات في غور الأردن الى أن الجنرال مردخاي ليس الشخصية الأمنية الأبرز التي سعت إلى إضفاء الشرعية على قرية فصايل، مذكرا في هذا السياق أن وزير الدفاع السابق موشيه يعلون كان قد اعتقد أيضا بوجوب إقرار الخطط المتعلقة بالقرية الفلسطينية "غير القانونية" (كما يدعي الحياني). ونقل عن يعلون قوله في لقاء جرى بينهما، عندما كان الأخير يشغل منصبه كوزير للدفاع: إن إسرائيل لن تتخذ قرارا بإخلاء القرية حتى وإن كان معلوما للجميع بأنها غير قانونية، وعلينا أن نكون واقعيين.

وأضاف الحياني أنه قال عندئذ ليعلون إنه مستعد لسحب اعتراضه على خطة إضفاء الشرعية على قرية فصايل إذا ما تعامل معه بنفس المنطق ووافق على خطة تتعلق بالمصادقة على إقامة مستوطنة جديدة وتوسيع مستوطنات قائمة في منطقة أريحا.

أخيراً دعا رئيس المجلس الاستيطاني في غور الأردن هو أيضا إلى وجوب حل الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقال إنها هيئة تعاني من جمود فكري، ولم تعد لها أية حاجة فقد "أكل عليها الدهر وشرب" حسب تعبيره.

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي