يوميًا، وفي مواقع مختلفة، يُصاب عمّال يزاولون العمل الجسدي الشاق في مختلف المنشآت الإسرائيلية. يُصابون بمختلف الإصابات، يمكثون في المستشفيات، وبعضهم لا تعود صحته وقدرته كما كانت قبل إصابته. في البيانات وتقارير المعطيات الرسمية لا يُذكر العامل المصاب باسمه وتفاصيله إلا في حالة واحدة، هي الموت. وفي بعض الحالات يغيب النشر الرسمي تمامًا. وتفيد مصادر مدنية تتابع هذه القضية أن ذلك يحدث مع العمال الفلسطينيين من المناطق المحتلة 1967 والعمال الأجانب.

وصف كثافة الحوادث والإصابات باليومي ليس استعارة، بل واقع بالكاد تغطيه المساحات الإخبارية والإعلامية عمومًا. ولا تصله جهات التحقيق المكلفة بذلك على الورق.

معطيات

المعطيات التالية، من "نجمة داود الحمراء" (مؤسسة الإسعاف الأولي الإسرائيلية)، تغطي أسبوعَ عمل واحدا وتوضّح قسوة وبشاعة الصورة:

24 شباط 2017: وقع عامل عمره 33 عامًا في مدينة بيتح تكفا عن علوّ 3 أمتار خلال عمله، وأصيب بجروح متوسطة في صدره.
26 شباط: وقع عامل عمره 60 عامًا في مدينة كريات أونو عن علوّ 5 طوابق حين عمل على سقف مصنوع من الصفيح، وأصيب بإصابات متوسطة في الأطراف وتم نقله إلى المستشفى.

27 شباط: وقع عامل عمره 26 عامًا في موشاف تابع للمجلس الإقليمي حوف أشكلون عن ارتفاع 4 أمتار، حيث أصيب بشكل بالغ في مختلف انحاء جسمه وتم نقله إلى المستشفى في اليوم نفسه. وفي إحدى المستوطنات فيما يسمى غوش عتصيون، أصيب عامل في الخمسينات من عمره بأداة ثقيلة لم تحدَّد وكانت جروحه متوسطة في الرأس وتم نقله إلى المستشفى وفي اليوم نفسه أيضًا أصيب عامل عمره 41 عامًا جراء وقوعه عن علو 3 أمتار في المجلس الإقليمي عيمق يزراعيل، ووصف المسعفون إصابته بالمتوسطة مع جراح في الرأس وتم نقله إلى المستشفى.

الأول من آذار: أصيب عامل عمره 29 عامًا في مصنع في مدينة عكا حيث سقط عليه جسم ثقيل عن علوّ، وتم نقله إلى المستشفى بسبب إصابته في مختلف أنحاء جسمه. في اليوم نفسه أصيب عامل في بيتح تكفا في نفس الظروف حيث سقط عليه جسم ثقيل، الشاب، وعمره 25 عامًا نقل إلى المستشفى بسبب إصابته بشكل متوسط في البطن.

الثاني من آذار: وقع عامل عمره 30 عامًا عن علوّ داخل مصنع في المجلس الإقليمي ماطي آشر، وكانت جراحه مختلفة وبحالة متوسطة وتم نقله إلى المستشفى. في اليوم نفسه أصيب عامل عمره 32 عامًا في ورشة بناء في مدينة عكا، وجاءت إصابته التي وصفت بالمتوسطة في الصدر والأطراف ونُقل إلى المستشفى.

3 آذار: وقع عامل عمره 27 عامًا في قرية بير المكسور عن علوّ وأصيب في مختلف أنحاء جسمه وتم نقله إلى المستشفى. في اليوم نفسه وقع عامل عمره 30 عامًا عن علوّ عدد من الطوابق في ورشة بناء في بني براك وأصيب بجروح مختلفة وتم نقله إلى المستشفى في حالة صعبة.

8 شهداء عمل في شهرين

الإحصائيات الشهرية التي توفرها جمعية "عنوان العامل" الناشطة بشكل بارز في متابعة ملف الحوادث في قطاع البناء تحديدًا، تعكس صورة شديدة القتامة. تتقاطع فيها الأسباب وفي مركزها إهمال إجرامي ضالع فيه بعض أصحاب العمل وكل السلطات الرسمية ذات الصلة.

الأرقام التي تطرقت إلى شهري كانون الثاني وشباط من هذا العام 2017 كانت كالتالي:

عدد حوادث الطرق في ورشات البناء وصل إلى 50. أي بمعدل حادث يوميًا لو استثنينا أيام العطل. وقد قُتل فيها ثمانية عمّال، هم شهداء العمل التالية أسماؤهم: المرحوم محمد حمودة، عمره 27 عامًا من قرية البعينة-النجيدات، المرحوم ثائر أبو سنينة، عمره 26 عامًا من قرية جلجولية، المرحوم خليفة محمد خليفة، عمره 24 عامًا من قرية قبية المحتلة (قضاء رام الله)، المرحوم يوسف إسبنيولي، عمره 50 عامًا من مدينة الناصرة، المرحوم لوي برهنزي وهو مواطن صيني عمره 50 عامًا، المرحوم خالد سويطات، عمره 24 عامًا من قرية حلف- طباش، المرحوم مجد زيداني، عمره 49 عامًا من مدينة طمرة، المرحوم زهير عويدات، عمره 29 عامًا من قرية مجدل شمس السورية المحتلة.

في الفترة المشار إليها كانت إصابات 11 عاملا خطيرة، وإصابات 31 من العمال متوسطة. الجمعية تشير في تقريرها إلى أن هذا الإحصاء "لا يشمل الإصابات الطفيفة وذلك لأننا لا نتلقى بلاغات دقيقة متعلقة بهذه الحوادث". بالفعل، فالمعطيات تتوفر عادة في الحالات التي يصل المصابون فيها إلى المستشفى. وتوفرها مؤسسات الاسعاف والعلاج الطبي الميداني، خصوصًا نجمة داود، لكن ليس وحدها. فهناك شركات تابعة للقطاع الخاص تعمل في هذا المجال أيضًا.

تقول "عنوان العامل" إنه منذ آب 2016 ، يتوجّب وفقًا للقانون على مديريّة الأمان في العمل، التابعة لوزارة العمل والرفاه، أن تقوم بإصدار أمر وقف عمل لمدة 48 ساعة على الأقل في كل ورشة بناء، منذ موعد وقوع كل حادث عمل أدى إلى إصابة خطيرة أو قاتلة. أي أنه وفقًا لمتابعة الجمعية، كان يتوجّب على مديريّة الأمان إصدار 19 أمر وقف عمل في ورشات مختلفة منذ بداية العام الجاري 2017. ولكن في الواقع تم إصدار 10 أوامر فقط.

هنا يبدأ ظهور الإهمال الذي يجب وصفه بالإجرامي. والذرائع التي تُساق لتبرير ذلك، لا تشكل مسوّغًا بقدر ما تكشف طبقة أعمق من منظومة الإهمال. فالتبرير الرسمي الذي قيل للجمعية هو أن عدم اصدار الأوامر لوقف العمل والبدء بتحقيق، سببه "وقوع حوادث في ورشات غير منظمة، وبحسب ادعاءات المديريّة كان من الصعب معرفة هوية المسؤولين عن الورشة في الوقت المحدد، أو بحجة أن حوادث العمل وقعت خارج الخط الأخضر حيث لا صلاحية للمديرية في تطبيق قوانين مراقبة الأمان، بحسب إدعائها"، كما جاء في تقرير الجمعية. ومن اللائق ترجمة رد تلك المديرية على أنه تنصّل من المسؤولية مغطى بأسمال وخرق بيروقراطية بالية.

تغيير هذا الواقع البشع يحتاج إلى أن تتحمّل جهات السلطة المسؤولية في الرقابة والتحقيق والردع والتصحيح. كذلك، يجب أن يتحلى أصحاب العمل والمقاولون بالأخلاق وتوفير شروط الأمن والأمان لعمّال يكدحون ويشقون في العمل اليدوي الجسدي المُجهد. الأمر لا يمكن أن يجري وينتهي بنوايا المشغّلين الحسنة طبعًا. بل يحتاج إلى ضبط وقوانين وأنظمة ورقابة لضمان تلك الظروف الآمنة. واجب القيام بها يقع على عاتق أذرع السلطة المركزية ذات الشأن. لكن الوثيقة التالية تبيّن أن الإهمال والإخفاق يعششان في مكاتب أصحاب القرار والصلاحية الرسميين.

إجراءات رادعة بمعدل صفر!

في تشرين الأول الماضي 2016 توجه "ائتلاف النضال ضد حوادث البناء" برسالة مفصلة إلى وزير العمل حاييم كاتس، الذي تتولى وزارته المسؤولية عن قطاع البناء، بمطلب زيادة الرقابة وتطبيق القانون والأنظمة في مجال أمان عمال البناء. هذه الرسالة المفصلة أرسلت أيضًا إلى قسم الالتماسات في النيابة العامة، بوصفها التماسًا تمهيديًا للمحكمة العليا إذا لم تستجب الوزارة.

يتشكل هذا الائتلاف من عدة جمعيات ومؤسسات هي: عنوان العامل، منظمة معًا، أطباء لحقوق الإنسان، جمعية حقوق المواطن، وعيادة حقوق العمال في جامعة تل أبيب. وهو يصور وضعًا إشكاليًا جدًا يصح اعتباره: البنية التحتية المفككة التي تسمح بوقوع الحوادث القاتلة والخطيرة. مثلا، كما جاء في الرسالة، لا يتم تطبيق أوامر الأمان ولا متابعة تنفيذها، وهذا يشمل حتى الورشات التي وُثقت فيها قصورات وأصدرت أوامر ضدها. بعض المواقع التي تابعها الائتلاف عاد للعمل دون التيقن من أنه طبق الأوامر والمعايير الخاصة بالأمان التي سبق انتهاكها. كذلك، فإن غالبية حوادث العمل لا يبلّغ عنها للمديرية المسؤولة وبالتالي لا يُحقَّق فيها، لأن المشغلين لا يهتمون بالتبليغ عن تلك الحوادث بالرغم من أن القانون ينص على ذلك. وهكذا، يقول الائتلاف، لا تتوفر لدى أية هيئة رسمية معطيات وافية حول الحوادث والإصابات. ويتجسد هذا الإخفاق خصوصًا في المواقع التي شهدت حوادث، إذ أشار تقرير لمراقب الدولة إلى أن مفتشي مديرية الأمان في العمل زاروا وعاينوا 2% فقط من مجمل مواقع العمل، وذلك بعد تلقيهم بلاغات عن وقوع حوادث. هذا بالطبع يجعل أي إجراء لاستخلاص العبر مستحيلا، ومثله استيفاء الإجراءات القانونية مع المسؤولين عن الحوادث لعدم تطبيقهم معايير الأمان.

هناك إجراءات رادعة بمعدل صفر للمشغلين منتهكي القانون، تتابع رسالة الائتلاف. فعدد لوائح الاتهام التي تقدم هامشية جدًا، وفي فترة خمس سنوات (2010 حتى 2015) تم تقديم 52 لائحة اتهام فقط في جميع القطاعات الخاضعة لرقابة الوزارة. للمقارنة: عدد قتلى حوادث العمل عام 2015 وحده كان وفقًا للمديرية المذكورة نفسها: 55 ضحية؛ وفي قطاع البناء وحده في تلك الفترة (5 سنوات) كان 193 ضحية. أي أن مئات الحوادث، التي شمل منها أيضًا إصابات خطيرة، ظلت دون تحديد مسؤول ولا مساءلة ولا عقوبة ولا ردع ولا عدل. مرة ثانية يصح الحديث عن بنية تحتية للإهمال الإجرامي.

ولهذه "البنية" أساسات تجسدها المعطيات التالية: هناك 55 وظيفة فقط مخصصة لتطبيق شروط الأمان في مواقع العمل (كلها) وهم مسؤولون عن ما يفوق 5ر3 مليون عامل في نحو 200 ألف موقع عمل. في قطاع البناء هناك 17 مفتشًا فقط لنحو 13 ألف ورشة بناء! لا حاجة للإسهاب في توضيح عبثية هذا الحال. فليس وقوع الحوادث هو الاستثناء بل هو أشدّ المتوقع في هكذا ظروف. (المقياس المعمول به دوليًا، بحسب منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي و OECD هو: مفتش واحد مقابل كل 10 آلاف عامل).

ما يجب (ولا يتم) عمله

انطلاقًا من تلك الوضعية التي تعجّ بالإهمال والتقصير والإخفاق، والحوادث الدموية التي تقتل وتعوّق وتصيب عمالاً يكدحون في أقسى أنواع الشغل، طالب "ائتلاف النضال ضد حوادث البناء" وزير العمل باعتماد وتطبيق المعايير اللازمة لمواجهة حوادث العمل في قطاع البناء، بينها: يجب على مفتشي الأمان القيام بزيارات دورية لورشات البناء، بما لا يقل عن 3 زيارات سنويًا لكل ورشة بذاتها؛ زيارات متابعة وفحص للورشات التي شهدت حوادث وصدرت أوامر أمان ضدها، بحيث لا يتم إلغاء تلك الأوامر إلا بمصادقة المفتشين بعد فحص الموقع؛ نشر عنوان واضح يمكن للعمال وسائر الجمهور التوجه إليه بخصوص أي نقص في معايير الأمان؛ العمل المباشر والمبادِر من قبل المديرية للحصول على معطيات وافية عن حوادث العمل؛ إلزام المشغلين والمقاولين بالتبليغ عن الحوادث في الورشات التي بحوزتهم؛ التحقيق المستوفى في كل حادث عمل يعرف بالمتوسط أو القاتل.

كذلك يطالب الائتلاف بزيادة عدد وظائف المفتشين والمحققين وتوفير ما يحتاجونه من تجهيزات مثل سيارات، وتحسين ظروف عملهم، مع وضع معايير واضحة وشفافة لتخصيص هذه الوظائف لمن يقومون بالتطبيق الفعلي واللائق لقواعد الأمان في ورشات البناء.

لن يتم هذا دون جهد مضاعَف. فالضحايا هم من الفلسطينيين من جهة ومن الطبقة الكادحة من جهة ثانية؛ والمؤسسة الإسرائيلية تتسم بالعنصرية ضد العرب و"غير اليهود" من جهة وبرأسمالية متبلدة من جهة ثانية.

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي