أكد تقرير جديد صادر عن "جمعية حقوق المواطن" في إسرائيل حول اعتقال القاصرين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ 1967 خلال العام 2015، أنه من خلال مقارنة المعطيات يتّضح أنه في العام 2014 اعتُقِل 1375 قاصرًا فلسطينيًّا في الضفّة الغربية، وفي مقابل ذلك في العام 2015 اعتقِل 871 قاصرًا.

وبحسب التقرير "يلاحظ بهذا أنّه طرأ انخفاض يبلغ حوالي 36% على عدد القاصرين الذين اعتقلوا. مع ذلك، لا تزال هذه الظاهرة واسعة، وتحدث على أساس شهريّ، ويُرافقها مساس كبير بمصلحة الأطفال وبحقوقهم الأساسيّة على النّاحيتين النفسية والجسدية لديهم، وبتطوّرهم المستقبليّ".

وجاء في مستهل التقرير الذي أعدته المحامية نسرين عليان وسابير سلوتسكر عمران، أن "جمعيّة حقوق المواطن" تعمل منذ فترة طويلة على تعزيز حماية حقوق الفلسطينيّين الذين يواجهون إجراءات جنائيّة في جهاز القضاء العسكريّ في الأراضي المُحتلّة. وفي هذا الإطار، تركّز الجمعيّة تركيزًا خاصًّا على حقوق القاصرين الفلسطينيّين في الإجراءات الجنائيّة، وبخاصّة في إجراءات الاحتجاز، والاعتقال والاستجواب من قبل قوى الجيش والشّرطة الإسرائيليَّين، وتنظر الجمعيّة بقلق إلى الانتهاكات البالغة التي تُرتكب في هذا السّياق.

وأشير إلى أن هذا التقرير يقوم بتلخيص المُكتشفات الأساسيّة التي تم الحصول عليها من ردود الجيش والشّرطة على طلبات حرّيّة المعرفة التي كانت قد أرسلتها "جمعيّة حقوق المواطن" بخصوص اعتقال القاصرين الفلسطينيّين، وذلك كجزء من المُراقبة التي تجريها الجمعيّة على عمل الحكم العسكريّ في الأراضي المُحتلّة بشكل عام وعلى حقوق القاصرين بشكل خاص فيما بتعلق بالاعتقال والتحقيق. وترى الجمعية بقلق شديد الانتهاكات الكثيرة التي تحصل بهذا الخصوص.

كما أشير إلى أنّ المُعطيات في التقرير تتعلّق بالعام 2015 وبمنطقة الضّفّة الغربيّة فقط.

وتُفيد المُعطيات بأنّه تمّ اعتقال 871 قاصرًا فلسطينيًّا في الضّفّة في العام 2015، وتمّ تقديم لوائح اتّهام ضدّ 62 بالمئة من بينهم (أي ضدّ 542 من القاصرين المُعتقلين)، وتمّ اعتقال 72 بالمئة من القاصرين الذين قُدِّمت ضدّهم لوائح اتّهام حتّى انتهاء الإجراءات، وتمّت إدانة 95 بالمئة منهم في المحاكم العسكريّة.
وأفادت شرطة إسرائيل بقيامها باعتقال 681 قاصرًا فلسطينيًّا من الضّفّة الغربيّة في العام 2015. وبحسب المُعطيات التي بين يد الجمعية، يتّضح أنّ الشّرطة اعتقلت بالمعدّل 57 قاصرًا كلّ شهر. وكان الشّهر الذي قامت فيه الشّرطة بأكبر عدد من الاعتقالات مقارنة بسائر الأشهر هو تشرين الأوّل 2015، وتم خلاله اعتقال 162 قاصرا. وفي شهرَي تشرين الثّاني وكانون الأوّل 2015، واللذين شهدا "انتفاضة الأفراد"، نجد أيضًا عددًا كبيرًا من الاعتقالات: 124 في تشرين الثّاني، و78 في كانون الأوّل. أمّا في شهر حزيران من العام 2015 فقامت الشّرطة بأصغر عدد من الاعتقالات مقارنة بسائر الأشهر (19 اعتقالًا).

وخلال العام 2015، قام الجيش باعتقال 3132 فلسطينيًّا، من البالغين والقاصرين، في الضّفّة الغربيّة. من بين مُجمل الاعتقالات في الضّفّة الغربيّة في ذلك العام، كانت هناك 190 حالة اعتقال لقاصرين (ما دون سنّ الـ 18). بما معناه أنّ 6 بالمئة فقط من الاعتقالات التي نفّذها الجيش في الأراضي المُحتلّة في العام 2015 كانت لقاصرين. بالمُعدّل اعتقل الجيش 16 قاصرا كل شهر خلال العام 2015.

ويؤكد التقرير أنه من خلال المعطيات المستعرضة فيه، وكذلك من المعلومات التي حصلت عليها "جمعيّة حقوق المواطن" في السّنتين الأخيرتين، ترتسم صورة واضحة لسياسة جوهرها تزايد حالات اعتقال القاصرين في الضفة الغربيّة، والاستخدام المتكرر للاعتقالات حتى نهاية الإجراءات القضائية، وغياب بدائل الاعتقال، وإدانة كل قاصر تُقدّم ضدّه لائحة اتهام تقريبًا.

ويضيف: لهذه السياسة أبعادٌ كثيرة وكارثية على القاصرين من ناحية نفسيّة وتربوية ومن ناحية تطوّرهم. الاعتقال والتحقيق هما إجراءان قاسيان للإنسان البالغ، فكم بالحريّ عندما يكون الحديث عن أولاد صغار. ليس من قبيل الصدفة أن يخصّص القانون الدوليّ والمحليّ مكانًا خاصًا ومنفردًا لطريقة التحقيق مع الأولاد والفتيان واعتقالهم. يتّضح من المعلومات التي بين أيدينا أن اعتقالات القاصرين الفلسطينيين في الضفة الغربيّة والتحقيقات معهم، التي تُمارس أحيانًا بشكلٍ منافٍ للقانون أيضًا، تؤثّر بشكلٍ ملحوظ على الأولاد، حيث يظهر على بعضهم بعد الاعتقال الخوفُ الدائم من قوات الأمن والمعاناة من الكوابيس، الأرق، تراجع في تحصيلهم الدراسيّ وتغيّر إلى الأسوأ في تعاملهم مع المحيط والمجتمع.

ويتابع: أدخلتْ في السّنوات الأخيرة إلى التشريع العسكريّ تعديلات تتعلّق بحقوق القاصرين الفلسطينيين الذين لهم طرف في إجراءات جنائيّة وفي مخالفات أمنية في الأراضي المحتلّة. ومن ضمن ذلك، أقيمت لأوّل مرّة محاكم عسكريّة للقاصرين، في عوفر وسالم؛ قُصِّرت فترات الاعتقال السارية على القاصرين وكذلك على البالغين؛ ووضعت تعليمات بشأن الاعتقال وإجراءات التّحقيق والمحاكمة الخاصّة بالقاصرين، التي من المفروض بها أن تكون لصالحهم وأن تتوافق مع القانون الدوليّ بخصوص حقوق الأولاد. لكن رغم هذه التغييرات فإنّ المعطيات التي تنشر في هذا التقرير تبيّن صورة مختلفة.

ويتّضح من المعطيات أنّ 72 بالمئة من القاصرين الفلسطينيين في الضفة الغربيّة الذين قدّمت ضدّهم لوائح اتهام خلال العام 2015، اعتقِلوا حتى نهاية الإجراءات القضائية. في المقابل في إسرائيل 9ر17 بالمئة فقط من القاصرين المقدّم ضدّهم لوائح اتهام يبقون رهن الاعتقال حتى نهاية الإجراءات. كما تشير المعطيات الواردة في هذا التقرير إلى توجّه متواصل وإلى تزايد في الحالات التي يبقى فيها القاصرون رهن الاعتقال حتى نهاية الإجراءات في العام 2015، مقارنةً بعام 2014. هذا الأمر ليس من قبيل الصّدفة وإنما هو سياسة متعمّدة من الاعتقال حتى نهاية الإجراءات، على نحو مخالفٍ لوثيقة حقوق الطفل الدوليّة، التي تؤكّد أن اعتقال القاصر جائز الاستخدام كملاذ أخير فقط ولأقصر فترة زمنيّة ملائمة. إنّ إبقاء نسبة عالية كهذه من القاصرين رهن الاعتقال حتى نهاية الإجراءات يتنافى أيضًا مع روح قانون الشبيبة، الساري في إسرائيل، والذي يرمي إلى فحص التأهيل وطرق إعادة الفتيان إلى الطريق الصواب بدلاً من معاقبتهم واعتقالهم.

كما يتضح أن الأغلبية شبه المطلقة من لوائح الاتهام المقدّمة ضدّ قاصرين، سواء عام 2014 أو عام 2015، انتهتْ بالإدانة (95 بالمئة). معنى ذلك هو أنّ لائحة الاتهام المقدّمة ضدّ قاصر تضمن الإدانة في كلّ ملفّ تقريبًا. أكثر من نصف الإدانات كانت من جراء مخالفة شغب. يجدر الذكر في هذا السياق أنّه صحيح أنّ نسبة الإدانة بشكلٍ عام في إسرائيل عالية نسبيًّا وتصل إلى 83 بالمئة، إلا أنّ نسبة إدانة القاصرين في الضفّة أشدّ حدّةً، ويتّضح منها التخوف واعتماد سياسة صارمة بسبب الصراع السياسيّ في الضفة الغربيّة.

ويشير التقرير إلى أنه وفقًا للقانون الدوليّ، يشكّل مبدأ مصلحة الطفل مبدأ أساسيًّا في الخطوات أو القرارات المتعلقة بالقاصرين. لكن السياسة الموصوفة أعلاه منافية لروح ولمضمون الوثيقة الدولية لحقوق الطفل التي وقّعت عليها إسرائيل، إذ إنّ هذه الوثيقة تطالب أن يكون سجن القاصر الوسيلة الأخيرة وأن يكون لأقصر فترة زمنية ملائمة. إضافةً إلى ذلك، فإنّ وثيقة جنيف الرابعة التي تتناول من جملة الأمور كيفية معاملة المعتقلين في منطقة محتلة، تتطرّق بشكلٍ صريحٍ إلى وجوب توفير "معاملة خاصّة" للمعتقلين الذين يعيشون تحت الاحتلال. كذلك يشير إلى أن سياسة تكثيف الاعتقالات الطّويلة المترافقة مع الاحتجاز حتى نهاية الإجراءات مناقضة لمصلحة القاصر.

أخيراً يذكر التقرير أن سياسة مشابهة لهذه المتّبعة تجاه القاصرين الفلسطينيين تُمارس فعليًّا في القدس الشرقيّة أيضًا. وبخلاف المناطق المحتلّة في الضفة، التي تسري فيها القوانين العسكرية التي لا تجيز إعادة التأهيل وبدائل الاعتقال والسجن للفتيان، ففي القدس الشرقية تمّ فرض القانون الإسرائيليّ، ولذلك فإن قانون الشبيبة من المفترض أن يتيح للقاصرين من القدس الشرقية آفاق إعادة تأهيل وبدائل للسجن والاعتقال. لكن طرأ في السنتين الأخيرتين تغيير في السياسة أدى إلى التشدّد في معاملة هؤلاء القاصرين. وقال إن قرار الحكومة رقم 1776 من يوم 26/6/2014، الذي يحمل عنوان "تعزيز تطبيق القانون في مخالفات إلقاء الحجارة"، أقرّ أنه يجب فرض سياسة صارمة تتمثل بتقديم لوائح اتهام، بما في ذلك طلب الاعتقال حتى نهاية الإجراءات، "بهدف تشديد العقوبة المتّبعة". إضافةً إلى ذلك، نشر المدّعي العامّ للدولة، في يوم 9/9/2015، صيغة محدّثة للتوجيهات المتعلقة بسياسة تطبيق القانون في مخالفة إلقاء الحجارة. التعديلات الأكثر جوهريّة في هذه التوجيهات هي السياسة المعلنة لطلب الاعتقال حتى نهاية الإجراءات ضد كلّ مشتبه به بإلقاء حجارة؛ الإلغاء الفعلي لبدائل الاعتقال للقاصرين المُدانين بهذه المخالفات؛ وتشديد العقوبة على القاصرين المُدانين بإلقاء حجارة وبمخالفات على خلفية أيديولوجيّة.