أعد طاقم "معهد سياسة الشعب اليهودي"، عشية مؤتمره السنوي للعام 2017 الحالي الذي عقد أخيرا، ورقة لخص فيها التغيرات في الدول الغربية وخلفيتها وما تعبر عنه هذه التغيرات، واتجاهات تأثيرها المحتملة على مستقبل إسرائيل واليهود في العالم، أي اليهود غير الإسرائيليين. وسعى هذا المؤتمر إلى استشراف الاتجاهات المركزية وتقدير اتجاهاتها المحتملة. وفي موازاة ذلك، حاول المؤتمر استشراف تأثير التطورات الحاصلة في إسرائيل على تعامل العالم الغربي تجاه إسرائيل واليهود في العالم.

وفقا لطاقم المعهد، فإنه "في موازاة تقوض النظام العالمي، يتزايد في السنوات الأخيرة التراجع في استقرار النظام الدولتي في الغرب وتتعمق علامات الاستفهام حيال استمرار سريان القيم الأساسية في هذا النظام، الذي يتمثل بالنظام الرأسمالي – الليبرالي المستند إلى السوق الحرة والعولمة. فالتأثير المستمر للأزمة الاقتصادية في العامين 2008 و2009، سوية مع القوى الفاعلة في السوق الرأسمالية واتجاهات العولمة نقلا إلى خارج الدول الغربية عددا كبيرا من وظائف ’الياقة البيضاء’، وتضررت من جراء ذلك بالأساس فئات العاملين، وأدت إلى تقاطب اقتصادي واجتماعي متصاعد".

وأضافت ورقة المعهد أن "الهجرة من أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة ومن أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا، والتي شملت مهاجرين غير شرعيين كثيرين، زادت من مشاعر الإحباط، خاصة وأن الكثيرين يتخوفون من أن هؤلاء المهاجرين سينافسون على العدد القليل من أماكن العمل الشاغرة. كذلك فإن الهجرة والتحولات الديمغرافية النابعة منها غذّت الشعور بحدوث هزة ثقافية لدى المسيحيين البيض، الذين باتوا يشعرون أكثر بأنهم ’أقلية في وطنهم’. وكلما ازداد حجم الأقليات المسلمة سكانيا، يصبح هؤلاء ضالعين أكثر في السياسة المحلية، وبذلك يتزايد الخوف والقلق في أوروبا. وتعتبر موجة اللاجئين في أوروبا، الأكبر منذ الحرب العالمية، كتهديد ديمغرافي وثقافي وأمني. وفي موازاة ذلك، فإن موجة الإرهاب التي مصدرها الإسلام المتطرف توجه ضربات إلى قلب أوروبا وتسهم في مشاعر الخوف وفقدان الطريق. فظاهرة داعش وحقيقة أن آلاف الشبان من أوروبا تطوعوا في صفوفه كشفت فشل سياسة الحدود المفتوحة والتعددية الثقافية، وبنظر الكثيرين، كشفت فشل النظام السياسي القائم في مواجهة التهديدات".

لكن الورقة لفتت إلى أن الشبكات الاجتماعية ومواقع الانترنت كثيرا ما تنقل معلومات منحازة ومضللة من أجل خدمة أجندة معينة. وهذه الظاهرة إلى جانب مشاعر العداء تجاه النخب التقليدية التي تعتبر فاسدة أو معزولة عن الواقع الشعبي، تغذي صعود أحزاب وسياسيين شعبويين يسعون إلى الدخول في مواجهة مع النخب الحاكمة. وتبرز ظاهرة عامة تتمثل بصعود اليمين القومي، وأحزاب وشخصيات سياسية تؤيد سياسة اقتصادية وأمنية وسياسة هجرة شعبوية، وتؤجج إسلاموفوبيا أيضا.

وأضافت الورقة أنه "تجسدت هذه الظاهرة في الولايات المتحدة في دونالد ترامب، وفي بريطانيا في بريكست وشعبوية نايغل فاراج (الذي قاد حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، وفي فرنسا في صعود نجم مارين لوبن، وفي ألمانيا في صعود نجم فاروكا بتري وحزب ’البديل لألمانيا’، وفي هولندا في خيرت فيلدرز، وفي النمسا في حزب ’الحرية’ وغيرهم".

تأثيرات محتملة على إسرائيل

اعتبرت الورقة أن النظام الدولتي الجديد وصعود اليمين الشعبوي في العالم الغربي سيكون له تأثير على إسرائيل في النواحي التالية:
• تصاعد قوة إسرائيل الإستراتيجية على ضوء صعود إدارة في الولايات المتحدة تعلن عن تأييد جارف لإسرائيل وتظهر عداء تجاه أعدائها.
• تزايد الدافع السياسي في إسرائيل لاستغلال "نافذة الفرص" التي ربما تسمح بها رئاسة ترامب من أجل محاولة إزالة علامة الاستفهام حيال المكانة الدائمة لمناطق الضفة الغربية، بمعنى إزالة حل الدولتين وضم الضفة كلها أو جزء منها إلى إسرائيل.
• تزايد التأييد لإسرائيل على ضوء تزايد قوة أحزاب اليمين الشعبوية في أوروبا التي تؤيد إسرائيل بمعظمها، باستثناء حزب مارين لوبن الذي يؤيد، مثلا، حظر إظهار رموز يهودية.


• تزايد التأييد لإسرائيل على خلفية الخوف المتنامي من "الإرهاب الإسلامي" وهجرة المسلمين. وفي المقابل انفتاح متزايد للادعاء الإسرائيلي أنه "لا فرق بين الإرهاب الممارس ضد إسرائيل وذلك الممارس ضد الغرب".

• شرعية متزايدة لتوجهات أكثر قومية في إسرائيل.
• تطرف في صفوف عناصر ليبرالية في الحزب الديمقراطي الأميركي، مثل الأقليات والشبان، وتزايد النظرة السلبية لإسرائيل في إطار ذلك.

• تزايد عملية التراجع في تأييد الحزبين الأميركيين لإسرائيل، على خلفية التقاطب داخل الولايات المتحدة وازدياد قوة اليمين في إسرائيل.

تأثيرات محتملة على يهود العالم

• المجتمعات التي تتحفظ من القيم الليبرالية، وتبتعد عن القيم الكونية، وتميل إلى التطرف القومي والتشديد على العناية بهويتها الداخلية، قد تطور عداء متزايدا تجاه أقليات وبضمنها الجاليات اليهودية.

• ضغوط اقتصادية على الطبقة الوسطى، في الولايات المتحدة وأوروبا، من شأنها أن تقوي مظاهر العداء للسامية وتحويل اليهود، المستقرين اقتصاديا نسبيا، إلى كبش فداء.
• تهديد المعاملة المفضلة التي تلقاها اليهود في أوروبا خلال العقود الأولى التي أعقبت المحرقة النازية.

• تضاؤل القوة السياسية لليهود في الولايات المتحدة على خلفية غياب وحدة وحدوث تقاطب يهودي داخلي حيال إسرائيل.
• كلما تقوضت ظاهرة دعم الحزبين الأميركيين لإسرائيل وكلما اتسعت الفجوة في هذا الموضوع بين الحزبين، قد يطرأ تراجع في قوة المنظمات المؤيدة لإسرائيل.

• تراجع محتمل في قوة المنظمات اليهودية على مستوى الجالية وعلى المستوى القطري على خلفية خيبة أمل عامة من أداء المؤسسات والقيادة الحالية. وتسهم في هذا الاتجاه البدائل التي تضعها الشبكات الاجتماعية التي تسمح بوجود جاليات خطاب افتراضية تنطوي داخل نفسها.

• على خلفية التقاطب السياسي والاجتماعي الشديد في الولايات المتحدة، ثمة إمكانية لتطور عملية مشابهة داخل الجالية اليهودية الأميركية.

• تعميق القطيعة بين أجزاء من يهود أميركا وبين القيادة اليهودية المنظمة في الولايات المتحدة التي يتم دفعها نحو التعاون مع ترامب والمقربين منه.

• قرابة 70% من الأميركيين اليهود ينتمي تاريخيا إلى المعسكر الليبرالي – الديمقراطي وقيم حقوق الإنسان والمساواة ومناهضة المظاهر العنصرية والتمييز. وهذه الأغلبية اليهودية تقف الآن في الجانب المهزوم في الولايات المتحدة. والمعضلة الحاصلة بالنسبة لهذا الجمهور مضاعفة: من جهة، كيف سيناهض ترامب وأفكاره مع مواصلة الحفاظ على أقلية مخلصة. ومن الجهة الأخرى، كيف سيناهض ترامب وأفكاره من دون المساس بمصالح دولة إسرائيل التي تنظر إليه كصديق عزيز.

• تعميق الفجوة بين أجزاء ليبرالية من يهود الولايات المتحدة وبين إسرائيل التي تتزايد فيها الميول اليمينية والقومية والدينية.

تقوّض النظام العالمي الحالي

اعتبرت الورقة أن النظام العالمي الحالي آخذ بالتقوض والضعف، وخاصة دور الولايات المتحدة، التي كانت اللاعب الخارجي الأهم والأبرز في الشرق الأوسط، فيما كانت إسرائيل رابحة من هذا الوضع بسبب علاقاتها الوثيقة جدا مع الولايات المتحدة. واعتبرت الورقة هذه التحولات في النظام العالمي نابعة من أن الولايات المتحدة باتت منهكة من دور "الشرطي العالمي"، ومن "عقيدة أوباما" التي وضعت قيودا على التدخل الأميركي العسكري وأكدت تفضيل الحوار. وذلك مقابل "عقيدة بوتين" التي استغلت تراجع التدخل العسكري الأميركي وتزايد قوة مكانة روسيا العالمية. وذلك إلى جانب تزايد قوة الصين مقابل ضعف أوروبا واحتمالات تفكك الاتحاد الأوروبي وتقويض النظام الدولتي الداخلي.

واعتبرت الورقة أن الشرق الأوسط ساهم في هذا الوضع بسبب النزاعات والأزمات فيه، وتدفق اللاجئين إلى الغرب، والاعتداءات الإرهابية في دول أوروبية. وفي غضون ذلك يجري في الشرق الأوسط اختبار عقيدتي أوباما وبوتين. ورأت الورقة أن "تقوض النظام العالمي أوجد مخاطر على إسرائيل وتصدعات مقلقة في علاقاتها المميزة مع الولايات المتحدة، لكن من الجهة الأخرى، عرفت إسرائيل كيف تحافظ على علاقات عمل مع روسيا وكيف تعتني بتحالفات إقليمية".

وبحسب الورقة ينطوي احتمال نشوء نظام عالمي جديد على التأثيرات التالية على إسرائيل:

• في عالم تتزايد فيه النزعات القومية والتقوقعية يمكن، من جهة، تراجع الميل "للتدخل" في شؤون إسرائيل، ومن جهة أخرى، قد يتراجع الميل لمساعدة إسرائيل أثناء الحاجة.
• وضع كهذا قد يحول إسرائيل إلى دولة مفهومة ومقبولة أكثر في الغرب، كدولة تسعى إلى الحفاظ على قوميتها وهويتها اليهودية.

• يرجح أن تتوثق العلاقات الأساسية مع الإدارة الأميركية وربما يسهم ذلك في تقارب أكثر بين إسرائيل و"دول هامة في الشرق الأوسط".

• في غياب التزام أميركي حيال رؤيا أخلاقية عالمية وعندما يكون الامتحان المقرر هو "المصلحة الأميركية"، فإن الولايات المتحدة قد لا تدعم إسرائيل في قضايا تكون مناقضة لمصالحها المادية.

• تركيز الولايات المتحدة على المواضيع الداخلية وإهمال زعامتها العالمية عموما وفي الشرق الأوسط خصوصا سيضر بإسرائيل وحتى أنه قد يؤدي إلى تآكل القوة المنسوبة لها وقوة ردعها.

• تفاهمات أميركية – روسية من شأنها تقليص حيز المناورة الإسرائيلي. من الجهة الأخرى، فإن مواجهة أميركية – روسية أو أميركية – صينية من شأنها أن تضع أمام إسرائيل معضلات ومخاطر.

• من الصعب تقييم تأثير الواقع الدولي الناشئ على الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وهل ستبقى الولايات المتحدة الجهة التي تقود الجهود من أجل تحقيق تسوية أم أنها ستخلي الساحة لجهات أخرى.

• توجد لدى إسرائيل في عالم يكافئ جيدا على التحديثات العلمية والتكنولوجية قدرات مثبتة إلى جانب الفائدة الاقتصادية. وتحقيق هذه القدرة سيزيد "القوة الناعمة" الإسرائيلية في الغرب والعالم كله ويعزز صورتها كأمة ستارت- أب. ومن شأن التكنولوجيا المتقدمة أن تقلص الفجوة النوعية بين إسرائيل وأعدائها، الذين قد يتسلحون بأسلحة ذكية وفتاكة لا تستوجب قاعدة تتمثل بجهاز تعليمي وتأهيل وتدريب نوعي.
واعتبرت الورقة تأثير احتمال نشوء نظام عالمي على يهود العالم بالشكل التالي:

• تؤدي التكنولوجيا الحديثة إلى عزلة اجتماعية ولذلك تشكل خطرا على قوة التضامن اليهودي. وإلى جانب التراجع في أداء المنظمات القديمة، تتطور مجموعات خطابية مغلقة على نفسها أمام الحيز القومي والثقافي الأوسع.

• التكنولوجيا الجديدة، بدءا بتلك التي تخفض وتنجع قدرات التنقل بين القارات وكذلك في الشبكات الاجتماعية، تسمح بتقوية العلاقة بين يهود العالم ويهود إسرائيل. إذ تكثر مؤخرا الجاليات الافتراضية للخطاب اليهودي، في مقابل تزايد الانكشاف على مراكز هويات بديلة. وتعميق "ثقافة الفراغ" يعزز احتمالات تطورات كهذه.

• عالم ديناميكي يتميز بالتحديث العلمي والتكنولوجي يميل إلى مكافأة التفوق. وتُفتح أمام اليهود آفاق نجاح جديدة على ضوء رصيدهم في الإنجازات والتفوق في هذه المجالات.

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي