حكومة نتنياهو غانتس: ترحيل الأزمة.

تفجرت قبيل فجر اليوم الثلاثاء، 22 كانون الأول الجاري، المحاولة الأخيرة لمنع انتخابات إسرائيلية مبكرة، أو تأجيلها لعدة أشهر، إذ أسقط الكنيست اقتراح الائتلاف الحاكم، تعديل القانون المؤقت الذي يسمح بتأجيل الموعد الأخيرة لإقرار الموازنة العامة بأسبوعين.

وجاء السقوط نتيجة حالة تمرد في كتلة أزرق أبيض، ما دفع الكتلة لعدم المشاركة في التصويت، كما أن حالة الشرخ المحدودة توسعت في الليكود أيضا، ولكن المشهد الأخير في الهيئة العامة يؤكد أن الانتخابات التي ستجري في آذار المقبل، ستنتج برلمانا مشرذما ومعقدا، لربما أكثر من وضعيته الحالية.

وكان طرفا الحكومة، الليكود وأزرق أبيض، قد توصلا في مطلع الأسبوع، إلى اتفاق يقضي بتأجيل الموعد الأخير لإقرار موازنة عامة بأسبوعين من اليوم الثلاثاء 22 كانون الأول، وتم طرح الأمر على الكنيست أمس الاثنين، إلا أنه خلال ساعات النهار، ظهرت حالة تمرد في كتلة أزرق أبيض، من أربعة نواب، ثلاثة منهم صوتوا ضد المقترح، رغم قرار الكتلة بعدم المشاركة في التصويت.

فقد قرر بيني غانتس الانسحاب من الهيئة العامة، وعدم التصويت على التعديل، بغلاف استمرار الخلافات مع الليكود، ولكن هذا القرار جاء بعد أن عرف غانتس أن تمرير القانون بالقراءة الأولى لا يحتاج لأغلبية 61 نائبا، بل لأغلبية عادية، ولربما اعتقد أن بإمكانه المناورة بأن يمر القانون بأغلبية من دون الكتلة، على أن يواصل الضغط على الليكود في بحر اليوم الثلاثاء، لأن التصويت الأخير على القانون سيحتاج لأغلبية 61 نائبا. ولكن مشروع القانون سقط بأغلبية 49 نائبا، ضد 47 نائبا. وهذه الأغلبية جاءت بسبب تصويت ثلاثة من نواب أزرق ابيض، ضد القانون، ومعهم النائبة من الليكود، ميخال شير، التي أعلنت فورا انضمامها لجدعون ساعر، الذي انشق قبل ثلاثة أسابيع عن الليكود، وتبعته النائبة يفعات شاشا- بيتون.

وهذا يعني أنه عند منتصف ليلة الثلاثاء/ الأربعاء المقبلة، 22/23 كانون الأول الجاري، سيحل الكنيست نفسه تلقائيا، ويبقى عليه البت في الموعد النهائي للانتخابات، 16 أو 23 آذار المقبل؛ لتكون الانتخابات البرلمانية الرابعة التي تخوضها إسرائيل في غضون 23 شهرا، أي خلال أقل من عامين.

وفي خلفية الخلافات بين الليكود وأزرق أبيض، إصرار نتنياهو على إقرار ميزانية 2020 فقط، خلافا للاتفاق الموقع بين فريقي الحكومة، الليكود برئاسة نتنياهو، وأزرق أبيض برئاسة غانتس؛ لأن نتنياهو أراد الإمساك بميزانية 2021 كورقة ضغط، تهدد بحل الكنيست، في حال عدم إقرارها حتى نهاية آذار 2021، بموجب القانون الأساس، وبالتالي يمنع التناوب على رئاسة الحكومة، المستحق يوم 17 تشرين الثاني 2021.

وحسب تقارير صحافية، فإن الجدل المركزي بين فريقي الحكومة دار حول صلاحيات وزير العدل، آفي نيسانكورن (أزرق أبيض)، بشأن موقف الحكومة من مشاريع القوانين، كونه يترأس اللجنة الوزارية لشؤون التشريع. ويدّعي الليكود أن نيسانكورن يعرقل سلسلة من مشاريع قوانين نواب اليمين والائتلاف الحاكم. ويريد الليكود تقليص هذه الصلاحيات، أو حتى نقل نيسانكورن الى حقيبة أخرى ذات شأن.
كذلك فإن الخلاف دار حول التعيينات الكبرى في سلك الدولة، مثل المدعي العام للدولة، والقائد العام للشرطة، ومحاسب الدولة، ومديرين عامين لعدد من الوزارات، إذ أن نتنياهو يسعى للتأثير مباشرة على التعيينات، التي لها علاقة بسير محاكمته.

في المقابل، فإن فريق أزرق أبيض طالب بضمانات أخرى كي يتم التناوب على رئاسة الحكومة يوم 17 تشرين الثاني من العام المقبل، وأن لا يفض الليكود الحكومة قبل هذا التاريخ. وجاء اقتراح تعديل القانون لضمان أسبوعيين إضافيين في عمل الحكومة، ما يتيح فرصة لحل الخلافات.

حسابات ربح وخسارة حزبية

الحكومة من ناحيتها غلّفت رغبتها بتعديل القانون، وتأجيل الانتخابات المبكرة، بالأوضاع الصحية والاقتصادية القائمة، وهي حقا عوامل من شأنها أن تنعكس على سير الحملة الانتخابية، وأيضا في يوم الانتخابات. ولكن الحقيقة هي غير ذلك، إذ أن حسابات نتنياهو هي التي تشوشت؛ وانضمت له في حسابات الربح والخسارة، كتلة أزرق أبيض التي ليس فقط أنها ستخسر نصف مقاعدها في الانتخابات المقبلة، حسب الاستطلاعات، بل هناك ملامح لانشقاق، كان صامتا حتى عملية التصويت الأخيرة في الهيئة العامة، إذ ان ثلاثة نواب صوتوا ضد مقترح حكومتهم، وساهموا مع نائبة من الليكود بإسقاطه.

وعلى مدى أشهر طويلة، اعتقد نتنياهو أنه يمسك بخيوط مصير الحكومة، إلا أنه بموجب المثل الشعبي "العتمة لم تكن على قدر حاجة الحرامي"، اصطدم نتنياهو بتطورات سياسية، كما يبدو لم تكن بالحسبان، فنتنياهو أراد التحكم بموعد الانتخابات المبكرة، التي سعى لها مسبقا، بما يتناسب مع سير محاكمته في ثلاث قضايا فساد.

في حساباته الأولى، رأى نتنياهو أن الخلل الإداري في عمل النيابة لصياغة لوائح الاتهام، وكيفية إطلاع طاقم الدفاع عليها، قد يؤدي الى تأجيل بدء جلسات المحاكمة المخصصة للاستماع لشهود الادعاء، لأشهر عديدة، إلا أن التأجيل كان لثلاثة أسابيع فقط، والجلسات ستبدأ بعد الأسبوع الأول من شهر شباط المقبل. وهذا يقول بأن انتخابات في شهر آذار تعني أن حملتها ستجري في الوقت الذي يجلس فيه نتنياهو في قاعة المحكمة، وإفادات الشهود تنشر في وسائل الإعلام.

الأمر الثاني، هو انشقاق الوزير السابق جدعون ساعر عن الليكود؛ وكما يبدو، لم يعط نتنياهو وزنا كافيا لهذا الاحتمال، ولا لتبعات هذا الانشقاق، إذ أن استطلاعات الرأي تمنح القائمة التي سيشكلها ساعر، القوة الثانية بعد الليكود، من 17 مقعدا كحد أدنى الى 21 مقعدا؛ ورغم أنه من السابق لأوانه الاعتماد على استطلاعات الرأي، إلا أنها توحي بأن مقاعد حزب ساعر ستكون على حساب كل الأحزاب الصهيونية التي تدور في فلك الحكومة، الليكود، وأزرق أبيض، وفي المعارضة، تحالف الأحزاب الاستيطانية "يمينا"، وأيضا على حساب حزب "يوجد مستقبل".

ولكن ليست قوة حزب ساعر الاستطلاعية هي ما تقلق نتنياهو، وإنما احتمال أن ينشأ وضع يكون فيه بالإمكان تشكيل حكومة برئاسة ساعر، من دون الليكود، أو لنقل بدون نتنياهو.

في المقابل، فإنه في كتلة أزرق أبيض بات الشرخ واضحا، إذ أعلن أربعة نواب من الكتلة، أساف زمير ورام شيفع وميكي حايموفيتش وميخال كوتلر، معارضتهم للاتفاق بين أزرق أبيض والليكود، وثلاثة منهم صوتوا ضد المقترح.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبحسب "همس" في أروقة الكنيست، فإن الشخص الثاني في حزب "يوجد مستقبل" عوفر شيلح، الذي حاول منافسة رئيس الحزب يائير لبيد على رئاسة الحزب، ورفض الأخير إجراء انتخابات، قد ينشق عن حزبه، ويجمع معه نوابا من "يوجد مستقبل" وأيضا من كتلة أزرق أبيض، لتشكيل قائمة تموضع نفسها في خانة ما تسمى إسرائيليا، "يسار- وسط".

وفي حال وقع هذا الانشقاق، فإن كتلة أزرق أبيض بوضعيتها الحالية، ستكون تحت علامة سؤال، ما يعني أن هذه الكتلة كانت لها مصلحة في إطالة عمر الحكومة، إلا أن التشرذم والخلافات الحادة فيها، وما نتج عنها من تمرد نواب، جعل رئيس الكتلة بيني غانتس، يسحب كتلته من عملية التصويت، بغلاف أنه امتعض من تعامل نتنياهو والليكود مع مطالبه، ولكن كما ذكر، فإنه حتى هذا لم يرض النواب المتمردين على حراك غانتس، وصوت ثلاثة نواب ضد القانون.

كذلك الأمر، ظهر الشرخ مرّة أخرى في "القائمة المشتركة" التي تمثل الفلسطينيين في إسرائيل، برفض نواب الحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي) برئاسة النائب منصور عباس، الالتزام بقرار الكتلة، بالتصويت ضد مقترح الحكومة، وبقي النواب الأربعة خارج قاعة الهيئة العامة، ولم يشاركوا في التصويت، وحسب تقارير ليست رسمية، فإن هذا نتاج "حوار" جار بين منصور عباس والليكود، حول مطالب يطرحها منصور عباس على حكومة الليكود.

رغم ما حصل، فإن ثمة في وسائل الإعلام من طرح فرضية بذل محاولة أخيرة خلال ساعات، تمنع التوجه لانتخابات مبكرة، ولكن احتمالات هذا الطرح صفرية، والآن سيكون السؤال، متى تجري الانتخابات؟ وأمام الكنيست تاريخان: 16 أو 23 آذار المقبل، لأنه بموجب القانون على الكنيست أن يتجه لانتخابات خلال 90 يوما.

وكانت المديرة العامة للجنة الانتخابات المركزية قد أعلنت في الكنيست هذا الأسبوع، أن إجراء الانتخابات بأقل من 90 يوما سيولد ضغطا إداريا، لضمان جاهزية اللجنة ليوم الاقتراع. ولكن ليس هذا وحده، لأن أحزابا، وأولها الليكود، ستشهد انتخابات داخلية لتشكيل قوائم مرشحيها للانتخابات، وهذا سيحتاج لوقت حتى تتهيأ للحملة الانتخابية.
والمشكلة الكبيرة، التي ستصطدم بها الحكومة، التي ستتحول هذا الأسبوع إلى انتقالية، هي كيفية إدارة أجهزة الحكم من دون ميزانية على مدى عامين. فإدارة الحكم على أساس ميزانية العام 2019، يعني نقص ما بين مليارين الى ثلاثة مليارات دولار، في الميزانية الجارية، ووقف أي تمويل لمشاريع جديدة، أو أي شكل من أشكال الصرف الجديد، الذي لم يكن واردا في ميزانية 2019.

وليس من المستبعد، أن يتم الاتفاق على تمرير ميزانية 2020 حتى خلال الحملة الانتخابية، كونها عملية تثبيت مشهد صرف، ولكنها ستكون مرتكزا أفضل لعمل الحكومة المالي، من ميزانية 2019، خاصة وأن ميزانية 2021 قد تقر في الصيف المقبل، في حال أقيمت حكومة بعد الانتخابات المقبلة.

ساعر وحزب يميني متطرف آخر

لم يترك المنشق عن حزب الليكود، جدعون ساعر، أي مجال للتكهن حول طبيعة الحزب الذي أقامه، وأطلق عليه اسم "أمل جديد- وحدة لإسرائيل"، إذ أن العناوين المركزية لبرنامج الحزب، حسبما أعلن ساعر عنها مع تقديمه أوراق الحزب إلى مسجل الأحزاب، تُدرجه في خانة اليمين الاستيطاني المتشدد، وهذا ما يعكس مواقف ساعر المعروفة أصلا، ومعه المنضمين إليه، وهما النائبان تسفي هاوزر ويوعز هندل، والثاني هو من واضعي فكرة قانون القومية قبل أكثر من 9 سنوات.

وجاء في أهداف الحزب أنه "سينشط من أجل تطبيق الحقوق الطبيعية والتاريخية للشعب اليهودي في أرض إسرائيل، وتثبيت هوية إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، التي نظامها الديمقراطي يُشكل حصنا لقيمها كدولة قومية للشعب اليهودي، تحافظ على حقوق الإنسان، وتطبق الحقوق الفردية، وتطور البلاد، وتشجع الاستيطان والزراعة، في الجليل والنقب و"يهودا والسامرة" (الضفة المحتلة)، وعلى طول المقطع الشرقي من مرتفعات الجولان، وعلى طول نهر الأردن، ومنطقة العربة حتى مشارف مدينة إيلات".

الجانب الآخر والمكمّل لأهداف حزب ساعر "الدفع بإصلاحات في كل سلطات الدولة، بما في ذلك أجهزة تطبيق القانون والقضاء ونظام بناء الحكم، والاقتصاد الحر، مع ضمان فرص عادلة، لكل الالتزامات، والتعهدات المتبادلة، وتطوير جهاز التعليم، وجعله من المتقدمين في العالم...".

والقسم الثاني من الأهداف المتعلقة بجهازي الحكم والقضاء، هي من أبرز أهداف اليمين الاستيطاني، للسيطرة الكلية على جهاز القضاء وجعله بلون هذا اليمين، بموازاة الأهداف الاستيطانية.

وحينما يتحدث ساعر عن الاستيطان في "يهودا والسامرة" (الضفة المحتلة)، فهذا يؤكد تمسكه بما تسمى "أرض إسرائيل الكاملة"، وهو معروف عنه رفضه لأي كيان فلسطيني بين النهر والبحر، يطلق عليه اسم "دولة". كذلك فإن ساعر هو من أبرز الأسماء التي تهاجم القضاء الإسرائيلي، وإن كان بلهجة مخففة، ويدفع ويشجع مشاريع قوانين لتقويض صلاحيات المحكمة العليا، فيما يخص صلاحيات المحكمة في نقض قرارات وقوانين الكنيست والحكومة.

وفي تقديمه لأوراق تسجيل حزبه أعلن ساعر أنه في حال شكّل الحكومة المقبلة، فإن النائبة التي انشقت بعده عن حزب الليكود، يفعات شاشا- بيتون، ستتولى منصب القائم بأعمال رئيس الحكومة. وهذه النائبة جاءت من الصفوف الخلفية لحزب الليكود، فقد دخلت الى الكنيست بعد انتخابات 2020، ولكنها برزت في نهاية العام 2019 حينما "تجرأت" وجاهرت بتأييدها لساعر في منافسته لبنيامين نتنياهو على رئاسة الليكود، في الانتخابات التي جرت قبل عام من الآن، وحصل فيها ساعر على 28% من أصوات الحزب، مقابل 72% لنتنياهو.

كذلك فإن شاشا- بيتون برزت في الأشهر الأخيرة، بتوليها رئاسة اللجنة البرلمانية لمكافحة كورونا، ووقفت أكثر من مرّة ضد قرارات حكومتها. وعدا هذا، فليس لها رصيد سياسي ولا شعبي. وقال المحلل السياسي عميت سيغل، في مقال له في صحيفة "يديعوت أحرونوت" في نهاية الأسبوع الماضي، إن ساعر قد يهدف من هذا الإعلان إلى خلق انطباع بشأن المساواة الجندرية، ولكن شاشا- بيتون لن تكون شريكة لساعر في إدارة الحزب الذي أقامه، ولا بالقرارات الهامة لاحقا، على مستوى تحالفات قبل الانتخابات وبعدها.

وفي الليلة الأخيرة التي سبقت حل الكنيست، وكما ذكر سابقا، انضمت نائبة أخرى من الليكود لساعر، وهي ميخال شير، المعروفة أيضا بيمينيتها الاستيطانية، وقد ينضم لها نواب آخرون من الليكود، كمثل الفئران الهاربة من السفينة التي توشك على الغرق، بمعنى أولئك الذين يعرفون أنه لا احتمال لهم في العودة للكنيست ضمن الليكود، ويبقى السؤال هو مدى استعداد ساعر لاستيعاب كل من يطرق بابه.

 

الأحد, يناير 24, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية