أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، أريئيل شارون، بلسان مقربيه عزمه على مواصلة المفاوضات من أجل تشكيل حكومة موسعة. وأشار قادة حزب "العمل" إلى نيتهم مواصلة المفاوضات مع شارون برغم إدراكهم أن لا خيار حقيقيا الآن سوى إجراء انتخابات مبكرة. ومع ذلك يواصل اليمين الإسرائيلي ابتهاجه ب"النصر الكبير" الذي تحقق بوضع القيود في يدي شارون ومنعه من إقامة ائتلاف مع حزب "العمل".

واحتار المعلقون الإسرائيليون في قراءة أثر ما جرى أمس الأول في مؤتمر "الليكود" على الحياة السياسية في إسرائيل. وكتب يوسي فيرتر في "هآرتس" تحت عنوان "شارة معيبة" أن الهزيمة التي مني بها شارون في مؤتمر حزبه أثبتت "أن شارون، وقبل أن ينفصل عن بيت في مستوطنة أو عن مستوطنة واحدة، انفصل، بشكل نهائي، عن حزبه. وبعد خسارته في استفتاء الأعضاء، وبعد الهزائم والمهانات في المؤسسات الحزبية، وقعت على شارون الضربة الأخيرة. فقد مني شارون بالهزيمة مرتين: إذ لم يفلح في كسب تأييد الأغلبية لاقتراحه الداعي فقط للحصول على تفويض للتفاوض مع الأحزاب الصهيونية. وبالمقابل نال اقتراح عوزي لانداو والمتمردين والداعي إلى حظر انضمام حزب العمل أغلبية واضحة". وأشار فيرتر إلى أن بوسع شارون تجاهل قرارات المؤتمر ولكن أعضاء الكنيست من الحزب يحسبون الف حساب قبل أن يدعموه لعلمهم أن إعادة انتخابهم رهن بمصادقة أعضاء المؤتمر. وخلص إلى أن حزب "العمل" في أعقاب نتائج التصويت يعرف أن مكانة شارون تتضعضع وبالتالي فإنه لن يسارع إلى الارتماء في أحضانه. "أما إذا أذعن شارون للمؤتمر وبقي مع حكومة أقلية فإنه سيجد نفسه مضطرا إلى الإعلان عن انتخابات مبكرة خلال وقت قصير".


وفي "يديعوت أحرنوت" كتب ناحوم بارنياع: "لقد مني شارون بهزيمة. وحتى إن نجح في تجاهل القرار، على غرار ما فعل بعد نتائج استفتاء الليكود فلن يكون بوسعه تجاهل حزبه إلى الأبد. إنه يسير على طبقة ثلجية دقيقة جدا... وقد يفقد شرعيته في أوساط أعضاء حزبه أيضا إذا واصل الاستهتار".


أما في "معاريف" فكتب بن كسبيت أن ما حدث في مؤتمر "الليكود" يظهر أن "الزعيم لا يملك حزبا. وأن الحزب بلا شعب. والشعب لا يدرك ما يجري حقا الآن، وهكذا فإن الارتباك هو سيد الموقف. أرييل شارون تلقى صفعة مدوية في وجهه.. لكن بمقدوره أن يمسح البصاق عن وجهه ويواصل طريقه، كعادته".


ومع ذلك رأى شالوم يروشلمي في "معاريف" أيضا أنه كان بوسع شارون أن يهدئ الخواطر في المؤتمر لكنه على ما يبدو اختار استمرارها لأن الفوضى من مصلحة شارون. "فهو بذلك يحطم شرعية مركز الليكود ويواصل طريقه. وكل من أصغى جيدا لخطابه أدرك أن الخطاب كان موجها فقط إلى مشاهدي التلفزيون وأنه قصد التصادم مع الليكوديين. فشارون يعلم أن الجمهور يكره مركز الليكود ويحب من يكره المركز مثله". وتابع أن "هذا هو الوضع. شارون ينفصل عن الليكود وبالعكس. وأعضاء مركز الليكود ينفصلون عن بعضهم. وسباق شد الحبل المتواصل بين شارون ومركز الليكود انتهى بتمزيق الحبل من دون اهتمام بالنتيجة النهائية. فليست لشارون أهمية في نظر الكثيرين من أعضاء الليكود مثلما ليست هناك أهمية لمؤسسات الليكود في نظر شارون".

والواقع أنه وبرغم محاولات الإيحاء بأن القرار لن يغير من الأمر شيئا فإن هزيمة شارون في المؤتمر تؤسس لواقع جديد. إذ على شارون أن يقرر الآن قبل الغد كيف عليه أن يبقى في الحكم. وفي ظل التردد بين التقدم إلى الأمام في تنفيذ خطة الفصل والتراجع بالقبول باشتراطات اليمين ما زال يجد أن المراوحة في المكان هي الخيار الأفضل. فاليمين الذي أثبت في مؤتمر "الليكود" أنه صاحب القول الفصل سيحاول جعل حياة شارون مريرة إن تقدم ولو خطوة واحدة. ولكن تراجع شارون على الأقل في هذا الظرف غير وارد بسبب التعهدات التي قطعها للإدارة الأميركية. ومع ذلك فإن المراوحة تعني التقاط الأنفاس وتحديد الوجهة. ومما يبدو حتى الآن يصعب القول أن شارون سيتجه نحو ما كان مقربوه يصفونه بخيار "الطوفان الكبير". ويتضمن هذا الخيار تحدي "الليكود" وتشكيل تيار وسط كبير من أنصاره في "الليكود" و"شينوي" ومؤيدي شمعون بيريس في حزب "العمل". ورغم أن الساحة السياسية الإسرائيلية لا تستبعد خيارا كهذا إلا أنه ليس هناك من يضمن لهذا الخيار فرصة النجاح.


وهكذا نجد أن حزب "العمل" الذي رفع الصوت أمس مطالبا بتقديم موعد الانتخابات بات يدرك أكثر من أي وقت مضى أن حسم القضية يمر فقط عبر "الليكود". وأن "الليكود" قادر على تشكيل حكومة جديدة شرط أن يحدد خياره سواء لجهة "العمل" أو "شاس".


عموما دخلت إسرائيل، بعد نتائج مؤتمر "الليكود"، مرحلة ارتباك وغموض لن تظهر آفاقها خلال أيام قليلة. ولذلك من المرجح أن نشهد تضاربا في المواقف إلى حين إعلان اختلاف جدي مع "العمل" واقتراب جدي من "شاس" و"يهدوت هتوراه". وحينها يمكن لشارون أن يتخلى عن "شينوي" ويعود لاستقطاب "الاتحاد القومي" وتشكيل الحكومة اليمينية المثالية. غير أن ذلك يحتاج إلى وقت لن يقل عن انتهاء الانتخابات الأميركية. وحتى ذلك الوقت سيواصل شارون اللعب بالأوراق الغامضة كلها.

الإثنين, سبتمبر 16, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية