أظهر كتاب بحثي جديد لمؤلفه الدكتور مصطفى كبها ان عدد الصحف الفلسطينية اليومية والاسبوعية في فلسطين التاريخية في الفترة ما بين الحربين العالميتين قد بلغ 48 صحيفة، منها 12 يومية، كان اغلبها يصدر في مدينة يافا (17 جريدة) تليها مدينة القدس (16 جريدة) ومن ثم حيفا (9 جرائد)، التي صدرت فيها اقدم صحيفتين، هما "الكرمل" و"النفير" (عام 1908) وصحيفة "فلسطين" (1911).

في كتابه الجديد حول الصحافة الفلسطينية ودورها في الكفاح الوطني بين الحربين العالميتين، "تحت عين الرقيب"، يقول الدكتور مصطفى كبها ان الصحف ازدادت في فترة ما بين الحربين على خلفية تصاعد النشاط السياسي مع فرض الانتداب البريطاني على البلاد وتفاعل تبعاته و"تلبية للتطورات السياسية العديدة والحاسمة في اطار الصراع على فلسطين". وفي الفترة المعنية يقسم الكاتب الصحف الفلسطينية الى ثلاث مجموعات اساسية وفقا لفترات صدورها ومعطيات أخرى، اولها تلك التي اعتبرها ذات الاقدمية والثبات والتي كانت تأسست منذ اواخر الفترة العثمانية واستمرت لاحقا ومن ابرزها اسبوعية "الكرمل" الحيفاوية ويومية "فلسطين" اليافية ونصف الأسبوعية "مرآة الشرق" المقدسية ونصف الاسبوعية "الزهور" الحيفاوية. اما المجموعة الثانية فهي التي تأسست في منتصف العشرينيات على خلفية تصاعد النشاط السياسي مع فرض الانتداب البريطاني على البلاد ومع ظهور الحاج امين الحسيني كمفت وكرئيس للهيئة الاسلامية العليا ومن ابرزها يومية "الصراط المستقيم" المعارضة ويومية "الجامعة العربية" المقربة من المفتي. اما المجموعة الثالثة فهي تلك التي انشأها صحفيون عرب هاجروا الى فلسطين من البلدان العربية مثل أسبوعية "الاقدام" واسبوعية "اليرموك". ويشير الكتاب الى ان الصحف الفلسطينية جمعت بين الاهداف السياسية والثقافية والتجارية واحيانا كانت تجسد مشروعا اقتصاديا عائليا كما حصل في صحيفة "فلسطين" التي عمل فيها العديد من ابناء عائلة العيسى. وينوه الكاتب الى ان هذه الصحف صدرت في ثماني صفحات من الحجم الكبير فيما ظهر البعض الاخر في 16 صفحة من الحجم الصغير لافتا الى ان الاوضاع المالية او كميات الورق المتوفرة هي التي كانت تقرر ذلك. ومثال على ذلك صدور صحيفة "فلسطين" في تشرين اول عام 1936 بحجم صغير مبلغة قراءها ان الامر حدث نتيجة ضغط نجم عن نقص في الورق وان هذا يهدد بوقفها.

الكتاب الذي استند الى اطروحة دكتوراة ويقع في 400 صفحة يشمل استعراضا مفصلا لطبيعة الصحف الفلسطينية، مالكيها ومحرريها وخطها العام وعلاقاتها ببعضها البعض من التنافر الى التضامن، الى جانب علاقاتها مع سلطات الانتداب ومع قيادات الحركة الوطنية واحزابها. هذا اضافة الى تفصيل واسع لدورها في القضايا الوطنية ما يجعل الكتاب مرآة تعكس بالدرجة الاولى الحياة السياسية في فلسطين .

ولم يتوقف المؤلف عند حد المقارنة بين مضامين الصحف الهامة من حيث البراغماتية والراديكالية في الموقف حيال القضايا السياسية انما اهتم أيضًا برصد التحولات التي طرأت على الخط العام للصحيفة الواحدة ذاتها، بالمضامين الاخبارية والمقالات، في فترات مختلفة نتيجة مؤثرات موضوعية اقتصادية وسياسية كما يظهر في قضايا مقاطعة المنتوجات او المتاجر او الصحف اليهودية وغيرها. وعن ذلك يقول "بشكل عام أظهرت الصحف تصلبا ورفضت كل فرصة للحوار مع اليهود او للتعاون معهم ولكن لغير مرة غيرت صحف معينة من خطها وتحدثت عن الفائدة التي يمكن ان تجنيها من التعاون العربي اليهودي".

ومن ضمن اهم استنتاجات الدراسة التاريخية التأكيد على الدور النضالي الكبير في الحركة الوطنية الفلسطينية حيث يوضح الباحث كيف اثرت وسائل الاعلام هذه التي لم تتعد سعة انتشار كبرياتها بضعة الاف في تسيير دفة وتوجهات السياسة المحلية وسط استعداد كامل لتسديد اثمان باهظة على ذلك. ومن ابرز النشاطات التي حاولت الصحافة ان تنظمها ودعت الناس طيلة الوقت إليها تلك الخاصة باللحمة الوطنية وبتقديم العون الى اسر الشهداء والاسرى .

وفي فترة الاضراب الكبير عام 1936 بلغت الصحف الفلسطينية ذروة تأثيرها على مجريات الامور وكانت تلك بحسب البحث الذروة ايضا في انتشارها حيث بلغ عدد مطبوعات "فلسطين" عشرة الاف عدد. ويكشف الكتاب عن الجاهزية العالية للخدمة الوطنية لدى الصحف في كافة المجالات سيما خلال فترة الثورة حيث شاركت في التعبئة والحض على التكافل الاجتماعي والتحشيد بشكل مباشر وغير مباشر. أما عملية فحص دورها الصحافي النقدي في مختلف القضايا فقد تم بأدوات ومعايير صحفية مهنية دون الاكتفاء بالاستعراض التاريخي لكنها ظلت عملية سريعة ومحدودة. ومع ذلك حرص المؤلف على معاينة مدى نقدية ومكاشفة الصحف حيال بعض المسائل الاجتماعية والسياسية في اوقات محددة كالفساد والفوضى والتعامل مع اليهود فاشار مثلا الى تراجع النقد المهني من ناحية اغفال ظواهر سلبية خلال فترة الثورة نتيجة تهديدات بعض فصائل الثورة للعاملين فيها.

ويفرد الباحث فصلا كاملا لقيام سلطات الانتداب بقمع الصحف الفلسطينية حيث تعرضت الى اقسى انواع الملاحقة بدءا من اعمال مقص الرقابة في موادها ومرورا باعتقال الصحافيين العاملين فيها وانتهاء باغلاقها لفترات بلغت عدة اشهر احيانا استنادا الى قانون الصحافة الجديد من سنة 1933 الذي حل مكان قانون الصحافة العثماني. وهذا ما دفع اصحاب الصحف ومحرريها الى عقد مؤتمر في 21.09.1938 في يافا اعلنوا فيه الاضراب عن الصدور لمدة 13 يوما بعد ان اصدروا بيانا نددوا فيه باجراءات السلطات البريطانية ضد الصحف وضد الاعتقالات. واكد الباحث ان تضييق الخناق على الصحف الفلسطينية عاظم من مشاعر التضامن الوطني فيها وزاد من حجم تعاضدها مع بعضها البعض مشيرا الى ان هذه الضغوطات اثرت على اداء الصحف في فترات معينة كاداة كانت تحاول توجيه السكان في غياب القيادات نتيجة الابعاد والسجن فيقول : "من اجل مواصلة البقاء اختارت غالبيتها الخوض في الشؤون الخارجية والعالمية مقللة طرحها للشؤون الداخلية فلا يفاجأ اذن كل من يمعن نظره في الصحافة العربية في الفترة هذه من الاكتشاف ان الحرب الاهلية الاسبانية حظيت باهتمام مساو لموضوع السجناء الفلسطينيين".

اما من ناحية الاخراج فيشير المؤلف إلى ان الصحافة الفلسطينية "عانت من جودة مهنية متدنية في ترتيب المواد وفي اسلوب العرض" حتى ظهور الصحيفة اليومية "الدفاع" عام 1934 التي اكثرت من استعمال الصور واعتماد المراسلين في المدن والعواصم الكبرى واستقطبت صحافيين متمرسين ومهنيين مستفيدة من خبرة المحررين الوافدين من البلدان العربية امثال خير الدين الزركلي وسامي السراج.

ويلفت المؤلف د. مصطفى كبها وهو متخصص في تاريخ الاعلام ان ما يقارب 253 صحفيا بينهم 233 فلسطينيا منهم 85 من يافا عملوا في الصحف الفلسطينية في الفترة قيد البحث وان الكثير منهم انغمسوا في نفس الان في السياسة. وعن ذلك يقول "يكاد يكون جميع اصحاب الصحف في العشرينيات من النشطاء في الحركة الوطنية الفلسطينية كعيسى العيسى وبولس شحادة والشيخ الفاروقي الذين كانوا اعضاء في اللجنة التنفيذية العربية. ومن ابرز اؤلئك اكرم زعيتر وهو صحافي بارز من نابلس ساهم كثيرا في فتح قنوات التعاون بين الصحف الفلسطينية وفي توظيفها معولا لنصرة القضية الوطنية". اما ثقافة هؤلاء فقد كانت بموجب الدراسة ثقافة ابتدائية او ثانوية فيما انضمت في منتصف الثلاثينيات مجموعة من الاكاديميين منهم على سبيل المثال اميل الغوري وفؤاد سابا. ويقسم الكاتب الصحافيين الفلسطينيين بين مؤيد للمؤسسات التمثيلية للفلسطينيين وبين معارض لها ومنهم ايضا من تنقل بين المعسكرين بدوافع شخصية منوها الى ان المجموعة الاخيرة شكلت اغلبيتهم.

ويقول المؤلف في مؤلفه ان اصحاب الصحف ارادوا من خلال التسميات التي اختاروها لصحفهم ومن خلال الرموز والشعارات التي تبوأت صفحاتها الاولى، التأكيد على خط فكري او رأي سياسي او اجتماعي. ومثال على ذلك يشير الكاتب الى ان صحيفة "سوريا الجنوبية" كانت تعبر عن فكرة سوريا الكبرى فيما كانت "مرآة الشرق" تعبر عن فكرة توحيد الشرق بأسره. وهكذا بالنسبة للشعارات فقد كتبت "الدفاع" "ان لم تشن الغارة الشعواء مقتحما فدافع" فيما احتفظت "الجامعة العربية" بالشعار: "اذا ذلت العرب ذل المسلمون".

واشار الباحث الى جرأة الصحف الفلسطينية في مقارعة سلطات الاحتلال وتصديها للمظالم ولمشاريع التقسيم والهجرة اليهودية لافتا الى الكثير من الامثلة على ذلك منها قيام صحيفة "اللواء" في عددها الاول بعد اغلاقها مدة ثلاثة اشهر من قبل الانتداب بالقول ان الحكومة الانتدابية ارتكبت اعمالا لم تخطر على بال هولاكو، فيما لم تتردد "الدفاع" في مهاجمة المندوب السامي ارثور واكهوب بشدة عام 1937. في المقابل تميزت الصحف الفلسطينية في هذه المرحلة بتوجهاتها النقدية والجريئة في المسائل الذاتية التي تتعلق بالمجتمع الفلسطيني نفسه حيث حرصت على سبيل المثال على الاهتمام بمسألة بيوع الأرض لليهود من قبل بعض الفئات السكانية بتناولها اياها بتعمق وصراحة مع ايراد اسماء سماسرة الارض لكنها انخرطت احيانا في توجيه التهم لجهات معينة ببيع الارض بدوافع سياسية. ويسوق المؤلف امثلة كثيرة على مدى كفاحية الصحف الفلسطينية في تلك الفترة واقدامها على توجيه النقد اللاذع للقيادة الوطنية التقليدية كلما تقاعست عن مواجهة الصهيونية والانتداب مشيرا الى ان الصحافة قد استخدمت اداة مركزية في تنظيم الاضراب وفي الترويج له.

ورغم التداخل الموضوعي بين الصحافة وبين الواقع المعاش والسياسة والاحداث الدرامية التي عصفت بالبلاد تلك الايام الا ان الكتاب في فصول كثيرة يمحور عدسة البحث على الاحداث التاريخية اكثر مما يعنى بتشخيص ونقد اداء المطبوعات الصحفية الذي جاء من اجله ما يوفر للقارىء فرصة التعرف على تاريخ فلسطين فيما بين الحربين العالميتين على حساب التعمق في التعرف على ملامح وطبيعة المشروع الصحفي ذاته. وهذا ما يفسر اهمال الكتاب مثلا للجوانب المتعلقة بالناحية المهنية كطبيعة الصياغات ومدى نقديتها في القضايا الاجتماعية واساليب السرد والعناوين والمقالات الافتتاحية واحترام الرأي الاخر والرسوم الكاركاتورية والصور التي كانت تستحق فصلا خاصا بها يسهم في ابراز حقيقة "صاحبة الجلالة" الفلسطينية قبل النكبة.

كما يفرط الكتاب في التركيز على تبيان الهوية الدينية للمسؤولين في الصحف الفلسطينية وان كان ذلك ما يقتضيه البحث عن العلاقة بين الصحيفة وبين سلطات الانتداب وعن المواقف المتبادلة من قبل الجانبين احيانا.

الكتاب الذي استند الى مراجعة اعداد كبيرة جدا من الصحف الموجودة في الارشيفات الفلسطينية والاسرائيلية في نظارة نقدية يضاف الى مجموعة ابحاث مرجعية قليلة في تاريخ الاعلام الفلسطيني.

الثلاثاء, ديسمبر 11, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية