اتسعت في الفترة القصيرة الماضية التحقيقات التي تجريها الوحدة القطرية لمحاربة الفساد والجريمة المنظمة في الشرطة الإسرائيلية، المعروفة باسم "لاهف 433"، في قضايا فساد، حيث أن المشتبه المركزي في اثنتين من بين ثلاث قضايا هو رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بينما الشبهات في القضية الثالثة تحوم حول مشتبه بهم مقربين من نتنياهو.

 


وهذه القضايا الثلاث هي:

"القضية 1000"، أو قضية المنافع الشخصية، ويشتبه فيها نتنياهو وزوجته بالحصول على منافع شخصية على شكل هدايا، بينها سيجار وزجاجات شمبانيا بمئات آلاف الشواكل، من رجال أعمال، أبرزهم رجل الأعمال الإسرائيلي – الأميركي، أرنون ميلتشين.

"القضية 2000"، وتدور الشبهات فيها حول الطبيعة الجنائية لمحادثات أجراها نتنياهو مع ناشر صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أرنون موزيس، إذ اقترح نتنياهو على موزيس، خلال هذه المحادثات، إعادة "يديعوت" إلى صدارة الصحف المطبوعة، في مقابل الحد من انتشار صحيفة "يسرائيل هيوم"، التي أسسها الثري الأميركي – اليهودي، شيلدون أدلسون، خصيصا لتكون بوقا وللترويج لسياسة نتنياهو.

واقترح نتنياهو على موزيس تقليص انتشار "يسرائيل هيوم" من خلال سن قانون في الكنيست يمنع توزيعها مجانا. وبالمقابل طالب نتنياهو ناشر "يديعوت" بأن تقوم صحيفته بتغطية إيجابية وداعمة له. كذلك عرَض نتنياهو على موزيس توجيه أثرياء من إسرائيل وخارجها من أجل شراء أسهم في "يديعوت".

"القضية 3000"، المعروفة أيضا باسم "قضية الغواصات". ونتنياهو ليس مشتبها مركزيا فيها حتى الآن، لكن عددا من المشتبهين المركزيين في هذه هم من المقربين جدا منه. وتدور الشبهات في هذه القضية حول مخالفات دفع وتلقي رشاوى وغيرها. وتعالت الشبهات فيها بعد الكشف عن أن نتنياهو اتخذ قرارا بشراء ثلاث غواصات جديدة من طراز "دولفين"، تضاف إلى ست غواصات من الطراز نفسه اشترتها إسرائيل في السنوات الماضية، وشراء أربع سفن حربية تستخدم لحراسة منصات حقول الغاز في البحر المتوسط.

وجميع هذه القطع البحرية من صنع حوض بناء السفن الألماني "تيسنكروب". وبحسب الشبهات، فإن نتنياهو اتخذ قرار شراء هذه القطع البحرية من دون علم وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه، موشيه يعلون، ومن دون أن يطلب سلاح البحر الإسرائيلي ذلك.

وهناك قضية أخرى، يطلق عليها اسم "القضية 4000"، ولا يتم التركيز عليها كثيرا قياسا بالقضايا الثلاث الأخرى. وتتعلق "القضية 4000" بشركة "بيزك" للاتصالات الهاتفية الأرضية. وتربط نتنياهو علاقة وطيدة وقديمة مع مالك "بيزك"، شاؤول ألوفيتش، الذي يملك موقع "واللا" الإلكتروني، الأكبر والأوسع انتشارا في إسرائيل، ويقوم بتغطية إعلامية إيجابية وداعمة لنتنياهو.

يشار إلى أن نتنياهو رفض لفترة طويلة تعيين وزير اتصالات في حكومته الحالية، وتولى هذا المنصب بنفسه. وقام بتنفيذ المهام باسمه مدير عام الوزارة، شلومو فيلبر، الذي جرى اعتقاله والتحقيق معه حول تسهيلات قدمتها الوزارة إلى ألوفيتش. كما اعتقلت الشرطة ألوفيتش وحققت معه.

"القضية 3000": الغواصات

حدثت تطورات هائلة في هذه القضية خلال الشهر الماضي، أهمها الاتفاق الذي أبرمته الشرطة مع المشتبه المركزي في هذه القضية، وهو مندوب "تيسنكروب" في إسرائيل، ميكي غانور، بتحويله إلى شاهد ملك، في مقابل سجنه لعام واحد ودفع غرامة بمبلغ عشرة ملايين شيكل. وتحدثت تقارير إعلامية عن أن الشرطة تحتجز غانور في شقة سرية، ويعمل المحققون على استخراج معلومات منه، تبين أنها تشمل رشوة مسؤولين إسرائيليين كبار، بينهم وزراء سابقون، في قضايا أخرى أيضا، إضافة إلى قضية الغواصات.

في إطار هذه القضية، اعتقلت الشرطة وأوقفت عددا من الأشخاص، بينهم المحامي دافيد شيمرون، وهو قريب نتنياهو ومستشاره ومحاميه الخاص. وقد حققت الشرطة مع شيمرون أربع مرات، بصفته محامي غانور، بشبهة حصوله على مبالغ كبيرة في إطار صفقة الغواصات والسفن الحربية الأربع بين إسرائيل و"تيسنكروب". ووفقا للشبهات، فإن الحكومة الإسرائيلية وافقت على إلغاء حوض السفن العسكري، مقابل قيام غانور وشيمرون وآخرين ببناء حوض سفن جديد من أجل صيانة الغواصات والسفن الحربية الإسرائيلية.


وتشير الشبهات في هذه القضية إلى تورط العديد من المسؤولين الحاليين والسابقين في هذه القضية، وجميعهم متهمون بتلقي رشوة والتوسط في دفع رشاوى وخيانة الأمانة والتآمر على تنفيذ جريمة. وأبرز المشتبهين هو القائم بالأعمال السابق لرئيس مجلس الأمن القومي، أفريئيل بار يوسف، الذي اعتقل وجرى التحقيق معه.

وثمة مشتبه به آخر جرى توقيفه والتحقيق معه هو دافيد شاران، المدير السابق لمكتب رئيس الحكومة نتنياهو.

وأعلنت الشرطة أنها ستطلب من المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، إجراء تحقيق، تحت التحذير باستخدام أقواله في المحكمة، مع وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينيتس. وينفي شتاينيتس أي علاقة له بقضية الغواصات.
واعتقلت الشرطة وزير الطاقة الأسبق، إليعازر زندبرغ، بشبهة تلقيه رشوة في إطار هذه القضية. واعترف زندبرغ بالحصول على مبلغ 100 ألف شيكل من غانور كأتعاب محاماة.

كذلك اعتقلت الشرطة القائد السابق للكوماندوس البحري الإسرائيلي، العميد في الاحتياط شاي بروش، المشتبه باستخدام علاقاته من أجل تنفيذ الصفقة مقابل الحصول على رشوة.

في أعقاب هذه التطورات، تعالت مطالب تدعو المستشار القانوني للحكومة إلى المصادقة على أن تحقق الشرطة مع نتنياهو في قضية الغواصات. وتعالت مطالب كهذه من خلال المظاهرات الأسبوعية، التي تجري كل يوم سبت، منذ عشرة أشهر، أمام منزل المستشار القانوني في مدينة بيتاح تيكفا ويشارك فيها الآلاف. وتطالب هذه المظاهرات بتقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو وزوجته سارة.

لكن المستشار القانوني مندلبليت صرح، الثلاثاء، بأن المطالبة بالتحقيق مع نتنياهو في قضية الغواصات هي "جزء من حملة لممارسة ضغوط على سلطات تطبيق القانون". وكان يرد مندلبليت بذلك على التماس في المحكمة العليا يطالب أيضا بالكشف عن آخر أوضاع التحقيق في القضية، وهو ما رفضه المستشار أيضا، في رده على الالتماس.

وأشار مندلبليت في رده إلى أنه بموجب إعلان سابق فإن نتنياهو ليس مشتبها به في قضية الغواصات، لكنه تحفظ بالقول إن عدم وجود شبهات ضد نتنياهو كان صحيحا لدى نشر الإعلان السابق، في 27 شباط الماضي.

"القضية 1000": سيجار وشمبانيا

خلافا لقضية الغواصات، فإن الشرطة حققت مع نتنياهو عدة مرات في إطار قضية المنافع الشخصية التي حصل عليها على شكل هدايا، من ميلتشين بالأساس، بينها سيجار وزجاجات شمبانيا ثمينة وحلي لزوجته. ويتمحور التحقيق حول ما إذا كان نتنياهو قدم شيئا في مقابل هذه الهدايا.

وكشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية، الثلاثاء، عن أن محققين من وحدة "لاهف 433" حققوا مع ميلتشين ثلاث مرات على الأقل في مقر السفارة الإسرائيلية في لندن، الأسبوع الماضي. وميلتشين هو منتج سينمائي في هوليوود، وهو أحد مالكي القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي. ووصل المحققون إلى لندن من أجل جباية إفادة من رجل الأعمال لان بلفوتنيك، وهو أحد مالكي القناة العاشرة أيضا.

وذكر موقع "يديعوت أحرونوت" الالكتروني، أن محققي الشرطة سألوا ميلتشين، الأسبوع الماضي، "هل رشوت نتنياهو مقابل المساعدة التي منحها لك بخصوص القناة العاشرة؟".

ووفقا للتقارير الإعلامية الإسرائيلية، فإن الشرطة تحقق في الاشتباه بأن نتنياهو حاول السعي من أجل ميلتشين في سوق الاتصالات، وما إذا كان نتنياهو قد سعى من وراء الكواليس من أجل بيع القناة العاشرة إلى بلفوتنيك، كي يساعد ميلتشين الذي يملك أسهما في هذه القناة. وحصل ميلتشين على مبالغ مالية في إطار صفقة بيع القناة لبلفوتنيك، بينما لم يكن يفترض أن يحصل على أموال في إطار صفقة بديلة.

وكانت القناة العاشرة نفسها قد كشفت عن أن نتنياهو سعى لدى وزير الخارجية الأميركي السابق، جون كيري، ولدى السفير الأميركي السابق في إسرائيل، دان شابيرو، من أجل منح ميلتشين تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة لمدة عشر سنين بعد أن فرضت السلطات الأميركية قيودا عليه.

ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدر وصفته بالمطلع على مجرى التحقيق قوله إن المعلومات التي قدمها للشرطة المدير السابق لمكتب رئيس الحكومة نتنياهو، أري هارو، الذي أصبح شاهد ملك، من شأنها أن تغير صورة الشبهات ضد نتنياهو في "القضية 1000" من الاحتيال وخيانة الأمانة إلى تلقي رشوة.

 

"القضية 2000"

تتوقع الشرطة من توقيع الاتفاق مع هارو وتحويله إلى شاهد ملك أن يدلي بمعلومات تتعلق بـ"القضية 1000" وبـ"القضية 2000". وتبين أن هارو سجل مقاطع من المحادثات بين نتنياهو وموزيس على هاتفه المحمول، وقد حصلت الشرطة على هذه التسجيلات من خلال تحقيقها في قضية أخرى مشتبه هارو فيها.

وتشير الشبهات لدى الشرطة إلى أن نتنياهو كلف هارو بفحص إمكانية التوصل إلى صفقة مع ناشر "يديعوت" موزيس، وأن يجري اتصالات مع سياسيين وأعضاء كنيست يبحث من خلالها في إمكانية سن ما يعرف بـ"قانون يسرائيل هيوم"، الذي يمنع توزيع الصحيفة مجانا، خلال فترة الحملة الانتخابية الأخيرة.

والتطورات الأخيرة في هذه القضية، هي اضطرار نتنياهو إلى الكشف عن محادثاته الهاتفية مع ناشر الصحيفة إدلسون ومع رئيس تحريرها السابق، عاموس ريغف. واضطر نتنياهو إلى ذلك في أعقاب التماس إلى المحكمة العليا قدمه الصحافي رفيف دروكر من القناة العاشرة. وتبين أن نتنياهو أجرى خمسة اتصالات هاتفية على الأقل، يوميا، مع ريغف وكان يطلع من خلالها على عناوين الصحيفة المتعلقة به.

وحققت الشرطة عدة مرات مع ريغف وإدلسون، وذكرت مصادر في الشرطة أن إفادات إدلسون ذات أهمية كبيرة. ووفقا لتقارير إعلامية، فإن توترا يسود العلاقة بين إدلسون ونتنياهو بعد الكشف عن محادثاته مع ناشر "يديعوت"، وأن إدلسون توقف عن كونه عراب نتنياهو، من حيث الدعم الإعلامي والدعم المالي لحملات نتنياهو الانتخابية في المستقبل، لكن إدلسون لن يتوقف عن التدخل في الحلبة السياسية الإسرائيلية ودعم سياسيين يمينيين، في مقدمتهم رئيس كتلة "البيت اليهودي" اليمينية المتطرفة نفتالي بينيت.

وقالت "هآرتس" إن القيادة العليا للشرطة تعنى بالتحقيقات مع نتنياهو وتتابعها عن كثب، والانشغال فيها يصل حتى مكتب المفتش العام للشرطة، روني ألشيخ. وكان ألشيخ قرر إبقاء قائد شعبة التحقيقات، ميني يتسحاقي، في منصبه رغم انتهاء فترة ولايته، وذلك حتى انتهاء التحقيقات مع نتنياهو.

 

توصية بمحاكمة زوجة نتنياهو

تشير التوقعات إلى أن المستشار القانوني للحكومة سيصادق قريبا على توصية الشرطة بتقديم لائحة اتهام ضد سارة نتنياهو، زوجة رئيس الحكومة، في القضية المعروفة باسم "قضية منازل رئيس الحكومة".

وتتعلق الشبهات ضد سارة نتنياهو باستغلال ميزانية مكتب رئيس الحكومة، التي تشمل أعمال صيانة ومقتنيات للمنزل الرسمي لرئيس الحكومة، لصالح أعمال صيانة وشراء أثاث لمنزل عائلة نتنياهو الخاص في قيسارية.

ووفقا للشبهات، فإن سارة نتنياهو وظفت عاملة أجنبية للاعتناء بوالدها المسن، قبل وفاته، وسددت أجرها من ميزانية مكتب رئيس الحكومة. كذلك استدعت سارة نتنياهو كهربائيا مقربا من عائلة نتنياهو وعضوا في حزب الليكود، لتنفيذ أعمال صيانة في بيت العائلة في قيسارية، بينما أصدر الكهربائي فاتورة عن تنفيذ أعمال في المنزل الرسمي لرئيس الحكومة.

وتشتبه الشرطة بأن سارة نتنياهو سعت إلى تضخيم مبلغ فاتورة مصاريف ضيافة في المنزل الرسمي لرئيس الحكومة.

وأعلنت الشرطة، مؤخرا، أن المدير السابق للمنزل الرسمي لرئيس الحكومة، ميني نفتالي، الذي أقيل من عمله بسبب خلافات مع سارة نتنياهو، وقدم إفادات ضد الأخيرة في الشرطة، يعتبر "بمثابة شاهد ملك" ضد زوجة رئيس الحكومة الإسرائيلية.

 

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي