ثمة جملة حقائق مركزية تُبرزها وتؤكدها محاكمة الجندي الإسرائيلي إليئور أزاريا، قاتل الشاب الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في مدينة الخليل (يوم 24 آذار 2016)، وتحظى بإجماع عام، ليس على المستوى الإسرائيلي فحسب، أولها وأهمّها كونها محاكمة صورية اضطرارية لا علاقة لها، البتّة، بنهج الجيش الإسرائيلي وبسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وأحزابها المختلفة ولا تعبّر عنها إطلاقاً، حتّمتها حقيقة واحدة فقط هي أن هذه الجريمة، خلافا لجرائم أخرى كثيرة مماثلة، بل أخطر بكثير حتى، تم توثيقها بالصوت والصورة. ولولا هذه الحقيقة، لما دخلت إسرائيل هذه "الدوامة" التي كشفت حقائق أخرى ترتبت عليها بُذلت وتُبذل جهود جبارة في محاولة طمسها وتغييبها، تكللت (هذه الجهود) حتى الآن بقدر كبير جدا من "النجاح" يضع محاكمة الجندي أزاريا هذه في حجمها الصحيح والطبيعي ـ استثناء نادراً جدا، كما تؤكد تقارير مختلفة صدرت عن منظمات حقوقية إسرائيلية تنشط في هذا المجال.

فقد سجل التقرير الذي أصدرته منظمة "يش دين" ("يوجد قانون") الإسرائيلية في مطلع العام الجاري 2017 ولخصت فيه إجراءات السلطات العسكرية الإسرائيلية في هذا المجال، أنه منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (في تشرين الأول 2000) وحتى تشرين الثاني من العام 2016، أجرت شرطة التحقيقات العسكرية 262 تحقيقاً في جرائم قتل راح ضحيتها فلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة بنيران الجنود الإسرائيليين، لم تقدم لوائح اتهام سوى في 17 حالة منها فقط، بينما انتهت 6 فقط من هذه بأحكام بالسجن على الجناة تراوحت فتراتها بين بضعة أسابيع و أشهر قليلة فقط، علماً بأن أياً من لوائح الاتهام هذه لم تشمل تهمة القتل العمد.

واقع التغطية الرسمية والاعتبارات الدولية

هذا الواقع ذاته هو الذي دفع منظمة "بتسيلم"، أيضا، إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة تمثلت بإعلانها، في أيار 2016، عن توقفها عن تقديم أية شكاوى إلى جهاز تطبيق القانون العسكري الذي "يمثل أداة شرعنة للاحتلال العسكري وممارسات أذرعه المختلفة". وأوضحت "بتسيلم" أنه منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في أواخر العام 2000 ، توجهت إلى النيابة العسكرية للمطالبة بالتحقيق في 739 حالة قتل فيها فلسطينيون أو أصيبوا أو تعرضوا للضرب من قبل الجنود أو تضررت ممتلكاتهم أو استخدمهم الجنود كدروع بشرية، غير أن تحليل الإجابات التي حصلت عليها "بتسيلم" بشأن معالجة هذه الحالات أظهر أنه في رُبعها (182 حالة) لم يجر أي تحقيق على الإطلاق وفي ما يقارب نصفها (343 حالة) تم إغلاق ملفات التحقيق من دون التوصل إلى أية نتيجة وفقط في حالات قليلة جدا ونادرة (25 حالة فقط) تم تقديم لوائح اتهام ضد الجنود المتورطين، بينما تم تحويل 13 ملفا إضافيا إلى المحاكم التأديبية، إضافة إلى 44 حالة أخرى "لم تتمكن النيابة العسكرية من تتبع وضعيتها"!

فبمجرد توثيق جريمة قتل عبد الفتاح الشريف في الخليل ـ بعدسة ناشط فلسطيني في منظمة "بتسيلم" ـ وانتشار الشريط على نطاق واسع جدا، محلياً ودولياً، لم يعد بإمكان القيادات الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، الاختباء وتجنب المسار الحتمي في تقديم الجندي إلى المحاكمة العسكرية، نظرا لاعتبارات مختلفة: محلية ـ تتصل، أساساً، بما يوصف في القاموس الإسرائيلي بـ "حماية صورة الجيش الإسرائيلي ومنظومته القيمية الأخلاقية" (!) لضمان استمرار السيطرة الاحتلالية على الشعب الفلسطينية وأراضيه، والأهمّ: دولية ـ تجنيب القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين أية محاكمات جنائية دولية بجريرة الممارسات والجرائم الإسرائيلية، إذ تنتفي الإمكانية القانونية لإجراء هذه المحاكمات ـ وفق أحكام القانون الدولي ـ في حال قيام السلطات الإسرائيلية المعنية بالتحقيق في هذه الممارسات والجرائم وتقديم مرتكبيها والمسؤولين عنها إلى المحاكمة، ولو من حين إلى آخر!

ورغم ما تثيره من جدل وغضب ومعارضة داخلية واسعة، بين أوساط وفئات إسرائيلية مختلفة لا تنحصر في أحزاب اليمين وجمهورها فقط، تبقى المحاكمات المحلية، في داخل إسرائيل، أقل وطأة وضرراً وتداعيات، بما لا يقاس، من أية محاكمة جنائية دولية. وهذا هو المعيار المركزي الذي يحكم الأداء الإسرائيلي الرسمي في هذا السياق. وهذا ما تؤكده، على نحو صارخ، أيضا، مجريات هذه المحاكمة العينية التي يبدو أن منتهاها سيكون في منح هذا الجندي العفو، العسكري (قائد المنطقة العسكرية ورئيس هيئة أركان الجيش) أو المدني (رئيس الدولة)، وهو ما يتبلور حوله إجماع شبه كلي في المجتمع الإسرائيلي وأحزابه السياسية، من اليمين والوسط و"اليسار" على حد سواء.

تعبير عن ميول المجتمع الإسرائيلي واستغلال لها


يؤكد الداعون إلى منح الجندي العفو، على وجه السرعة كي تسقط الحاجة (القانونية) إلى جلوسه في السجن "ولو يوماً واحداً" ـ على حد تعبير عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست ـ أن هذه المحاكمة، سواء كانت ثمة حاجة إلى إجرائها أصلاً (كما يقول البعض) أو لم يكن من الصحيح إجراؤها أصلا (كما يقول آخرون)، قد "استنفدت نفسها" و"حققت غايتها"، مع التشديد على أن الجندي أزاريا "لم يفعل سوى ما تعلمه وتربى عليه في الجيش، طبقا لروح القائد ولروح أجهزة التحقيق والمحاكمة العسكرية" التي تبذل كل ما في وسعها للتغطية على ممارسات الجنود والقادة العسكريين في الميدان.

ويشير هؤلاء إلى حقيقة أن أزاريا "ما هو إلا نتاج المجتمع الإسرائيلي برمّته"، استنادا إلى العديد من استطلاعات الرأي العام التي أجريت حول القضية وأظهرت نتائجها أن 65% من الجمهور الإسرائيلي يعتقدون بأن "أزاريا تصرف بالشكل الصحيح والمطلوب" بإعدامه الشاب عبد الفتاح الشريف بعد إصابته؛ وأن أكثر من 48% يوافقون على "وجوب قتل أي فلسطيني ينفذ عملية ضد اليهود، حتى لو تم إلقاء القبض عليه ولم يعد يشكل أي خطر على المحيطين به"!

ولأن الرأي العام في المجتمع الإسرائيلي على هذه الصورة، يأخذ السجال حول قضية الجندي ومحاكمته والدعوة إلى منحه عفوا فورياً بُعداً آخر في المستوى السياسي ـ الحزبي يتمثل في محاولات استغلالها وتجييرها، في الحد الأقصى المستطاع، في المعركة على أصوات الناخبين الإسرائيليين في أية انتخابات برلمانية مقبلة، بين أحزاب اليمين وقادتها خصوصا، لكن بين أوساط وفئات حزبية ـ سياسية أخرى أيضا، وهو ما يولّد تنافساً حزبياً تصاعدت فيه تصريحات السياسيين من وزراء وأعضاء كنيست، من مختلف أطياف الحلبة السياسية ـ الحزبية إجمالاً.

ولئن كان من الصعب حصر وتسجيل كل التصريحات في هذا السياق هنا، إلا أن بعض النماذج منها تكفي للإيفاء بالغرض، بداية من رئيس الحكومة ورئيس حزب "الليكود"، بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر أزاريا "ابننا جميعاً" وأكد تأييده منحه العفو، إلى وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان (رئيس حزب "إسرائيل بيتنا")، الذي قال إن الحديث يجري عن "جندي متفوق وعن مخرب جاء ليقتل اليهود... وهذا ما ينبغي أخذه في الحسبان"، مرورا بوزير التربية والتعليم نفتالي بينيت (رئيس حزب "البيت اليهودي") الذي اعتبر أن "أمن المواطنين في إسرائيل يحتّم منح أزاريا عفوا فوريا" وأنه "حتى لو أخطأ (أزاريا)، فلا يجوز أن يجلس في السجن ولو يوما واحدا، لأننا سندفع الثمن جميعاً". وكان بينيت يقصد الحديث الذي اتسع وتعالى في إسرائيل عن أن محاكمة الجندي وفرض عقوبة السجن الفعلي عليه سيردع جنودا آخرين عن "استخدام صلاحياتهم العسكرية وتنفيذ الأوامر لئلا يواجهوا المصير نفسه"! والموقف نفسه عبرت عنه، أيضا، وزيرة الثقافة ميري ريغف (الليكود) التي اعتبرت محاكمة أزاريا "محاكمة ميدانية لم يكن لها أن تبدأ أصلاً، لأن فيها تخلّياً عن الجندي يوجه رسالة خطيرة للجنود والقادة العسكريين الآخرين". وأشار آخرون، في دعوتهم إلى منح أزاريا العفو، إلى "المعاناة الشديدة التي كابدها هو وعائلته، أكثر مما يمكن احتماله" (منهم، مثلا، وزير المالي موشيه كحلون، رئيس حزب "كلنا"، ووزير الداخلية أرييه درعي، رئيس حزب "شاس").

وانضم إلى هؤلاء، أيضا، الزعيم الليكودي السابق موشيه يعلون، الذي وقعت الجريمة إبان توليه منصب وزير الدفاع، فدعا عائلة أزاريا إلى التخلي عن مسار الاستئناف على حكم المحكمة العسكرية وتقديم طلب للعفو مؤكدا أن "هذا الطلب لن يجد آذانا صماء". كما انضم إليهم رئيس حزب "يش عتيد" ("يوجد مستقبل")، يائير لبيد، الذي قال إن "أزاريا ارتكب خطأ فادحاً في ظروف قاسية جدا"، ورئيس حزب "المعسكر الصهيوني"، إسحاق هيرتسوغ، الذي رأى أن "المحكمة العسكرية قامت بالمهمة التي أنيطت بها بأن جسدت، كما ينبغي، حرصنا المطلق على طهارة السلاح في الجيش الإسرائيلي" وأن "أزاريا هو ضحية الظروف السياسية غير المعقولة التي تتهرب منها الدولة منذ عشرات السنين"!، بينما دعت زميلته في الحزب، شيلي يحيموفيتش، إلى فحص إمكانية منحه العفو، أسوة برجال الشاباك في قضية الباص 300" (الذين جرى العفو عنهم في أعقاب قتلهم في العام 1984 شابين فلسطينيين بعد إلقاء القبض عليهما وهما على قيد الحياة).

بيد أن هذا الإجماع لم يشمل السياسيين من وزراء وأعضاء كنيست فقط، بل شمل أيضا أوساطا وشخصيات سياسية وإعلامية واجتماعية وثقافية واسعة، ذهب جميعها إلى التأكيد على أنه "لا يجوز تحميل أزاريا الفرد وزر الواقع الإسرائيلي كله". وبرز من بين هؤلاء، بوجه خاص، عضو الكنيست والصحافي السابق والناشط السياسي حاليا أوري أفنيري، الذي كان اعتبر أن "الحرص على الانضباط وعلى أخلاقيات القتال هو أمر حيوي جدا" وأن "من العبث إلقاء كل المسؤولية عن التدهور الحاصل على كتفي جندي واحد تأثر بالجو العام في المجتمع وفي الجيش".

أما الإعلامي أفري غلعاد، الذي يقدم برامج إذاعية وتلفزيونية، فاعتبر أن "خطيئة أزاريا الوحيدة هي أنه تصرف بمثل ما يتصرف الهواة، إذ لم يستغل جلبة الحادثة لكي ينهي الأمر كما ينبغي، بل جاء رد فعله متأخرا وعلى مرأى من الجميع بطريقة خدمت وتخدم المتربصين بإسرائيل، هنا وفي العالم"! وقال غلعاد إن "موت المخربين أفضل بكثير من إطلاق سراحهم في إطار صفقات تبادل عديمة المسؤولية. هذا واضح للجميع ولا جدال حوله"، ثم أضاف: "لكن يجب أن نعرف كيف نقتلهم، مع الأخذ في الاعتبار واقع الإعلام والميديا الجديدة الذي نعيشه، حيث يتم تصوير أي حدث من عشر زوايا مختلفة، ثم يجري بثه للعالم كله في زمنه الحقيقي"!

وشذت عن هذا الإجماع في الساحة السياسية ـ الحزبية الإسرائيلية مجموعتان أساسيتان هما حركة "ميرتس" و"القائمة المشتركة" اللتان أعلنتا رفضهما ومعارضتهما منح الجندي القاتل العفو. لكن "ميرتس"، على لسان رئيستها عضو الكنيست زهافا غلئون، الذي اعتبرت منح الجندي العفو "تحقيرا لقرار المحكمة ويسبغ الشرعية على أفعال يرفرف فوقها علم أسود كبير"، عادت إلى التبجح بـ "المنظومة القيمية والأخلاقية في الجيش الإسرائيلي ومبدأ طهارة السلاح" التي "انتهكها أزاريا بتصرفه هذا"! وهذا ما ذهبت إليه صحيفة "هآرتس"، أيضا، في افتتاحيتها (يوم 22 شباط) حول العقوبة التي فرضتها المحكمة العسكرية على الجندي أزاريا، إذ اعتبرتها "نهاية عصر طهارة السلاح في الجيش الإسرائيلي"!

الإدانة والعقوبة ـ تكريس للنهج المعتمد

النتيجة النهائية التي انتهت إليها محاكمة الجندي أزاريا في المحكمة العسكرية (التابعة للجيش) تؤكد ما سقناه أعلاه عن كونها محاكمة اضطرارية صورية جرت، بصورة أساسية، لمخاطبة الهيئات القضائية الدولية والتملص من أحكام أنظمتها وقوانينها. وهي حقيقة لم تغب، في نتيجتها العملية (السجن لـ 18 أشهر)، عن أعين الهيئات الدولية التي انتبهت إلى عبثيتها المفرطة، وذلك على لسان المتحدثة باسم "مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان"، رافينا شمدساني، التي عبرت عن "انزعاج شديد للغاية إزاء العقوبة المخففة التي أصدرتها المحكمة العسكرية على الجندي الإسرائيلي الذي أدين بقتل مصاب فلسطيني بشكل غير قانوني"، لافتةً إلى أن "أكثر من 200 فلسطيني قتلوا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الهبة الشعبية الفلسطينية، في مطلع تشرين الأول عام 2015، وأن أزاريا هو العنصر الوحيد في قوات الأمن الإسرائيلية الذي قدم للمحاكمة عن مثل هذا القتل"، ومذكّرةً بأن العقوبة القصوى لجريمة القتل غير العمد تصل، وفق القانون الإسرائيلي، إلى السجن الفعلي 20 عاماً، مما يؤكد أن "هذه القضية تخاطر بتقويض الثقة بالنظام القضائي وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب... ونحن نتحدث عن ثقافة مزمنة من الإفلات من العقاب"!

ولم يسلم هذا التصريح وصاحبته من الهجوم الكاسح من جانب المسؤولين السياسيين الإسرائيليين الذين اعتبروه تأكيداً على "العداء والكراهية المتأصلين لليهود" لدى "منظمة معادية للسامية ومنحازة ضد إسرائيل"!!

لكنّ الحقيقة التي أشارت إليها المتحدثة الدولية (عن عقوبة الحد الأقصى لهذه الجريمة) تنضاف إلى أربع حقائق أخرى ترسم، مجتمعة، الصورة الحقيقية لهذه المحاكمة:

الأولى ـ أن الادعاء العسكري كان يعتزم، في البداية، توجيه تهمة القتل العمد للجندي أزاريا، لكنه تراجع لاحقا وخفف بند الاتهام إلى "القتل غير العمد"؛

الثانية ـ أن المحكمة العسكرية أدانت أزاريا (يوم 4/1/2017)، بإجماع قضاتها العسكريين الثلاثة، بتهمة "القتل غير العمد"، برغم أن نص قرار الإدانة، من أوله إلى آخره والذي رفضت فيه المحكمة طعون أزاريا وادعاءاته جملة وتفصيلاً، يثبت تهمة القتل العمد، بمركباتها الجنائية المحددة كاملةً!؛
الثالثة ـ أن الادعاء العسكري طالب المحكمة بفرض عقوبة السجن الفعلي على الجندي لمدة تتراوح بين 3 و 5 سنوات، لكن المحكمة فرضت عليه (يوم 21/2) عقوبة السجن لـ 18 شهراً فقط (سنة ونصف السنة) والسجن وقف التنفيذ لمدة سنة أخرى، ما يعني أنه إذا عاد وقتل فلسطينيا آخر فستكون عقوبته السجن الفعلي سنة واحدة فقط! وهذا، رغم أن الجندي لم يعبر عن أي أسف أو ندم أمام المحكمة عن جريمته؛

الرابعة ـ أن المحكمة العسكرية إياها استجابت لطلب محامي الدفاع عن أزاريا وقررت تأجيل موعد دخوله إلى السجن للبدء بقضاء محكوميته، وذلك بخلاف صارخ للقاعدة الواردة في قانون الإجراءات والأنظمة الجنائية الإسرائيلي، والتي ثبتتها المحكمة العليا الإسرائيلية في أكثر من قرار، وتوجب البدء بقضاء محكومية بالسجن الفعلي بصورة فورية ودون أي تأجيل ـ إلا في حالات نادرة جدا ـ تجسيداً لفكرة أن بلوغ الإجراء الجنائي هذه المرحلة يعني أن المتهم لم يعد يتمتع بـ "قرينة البراءة" بعد.

وفيما اعتبرت عميرة هس (هآرتس – 22/2) أن قرار المحكمة العسكرية بشأن العقوبة وتأجيلها يثبت أن "قضاة المحكمة العسكرية فعلوا الأمر الطبيعي: لقد ساروا في مسار آمن وغني يقرّ بأن الاحتلال العسكري اليهودي هو النظام والقانون، بينما النضال ضده هو الجريمة"، اعتبر أمير أورن (هآرتس ـ 21/2) قرار المحكمة العسكرية هذا "انتصار الزناد على العدل"، منوها إلى أنه "إذا كان القضاة يعتقدون بأنهم حققوا التوازن بين إدانة مفصلة وحازمة وبين عقوبة رحيمة فهم مخطئون تماما... ذلك أن السطر الأخير هو المهمّ فقط، وهو قاطع، متخاذل وانهزامي... لقد استسلم الجيش ولم يصمد القضاة أمام الضغوط، سواء بسبب التهديدات المباشرة أو لأنهم لم يتطوعوا لأن يكونوا كبوش فداء للهيئة القضائية العسكرية الأعلى (محكمة الاستئناف العسكرية التي ستنظر في الاستئناف، إذا ما تم تقديمه) أو للعفو الرئاسي، اللذين قد يُظهرانهم متشددين"!

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي