رفع اتحادا المطاعم والفنادق الإسرائيليان في الأيام الأخيرة التماسا جديدا إلى المحكمة العليا لكسر احتكار إصدار شهادات الحلال اليهودي، ما يعيد القضية من جديد إلى السطح؛ في حين تتمسك الحكومة الحالية بهذا الاحتكار، وحتى أنها تدعم قوانين تمنع كل ما من شأنه التحرر من هذا الاحتكار، الذي يكلف المطعم أو الفندق سنويا عشرات آلاف الدولارات، وفي حال الفنادق الكبيرة فإن الفاتورة قد تصل إلى مئات الآلاف سنويا. ويؤكد عاملون في قطاع الفندق والمطاعم وجود دوافع تجارية، وخدمة مصالح، وليست كلها دينية في الشروط التي يطرحها الحاخامون.

خلفية

منذ سنوات طويلة يدور صراع بين المؤسسات الدينية ومعها الأحزاب المتدينة من جهة، وبين القوى والحركات العلمانية من جهة أخرى، حول مسألة "الحلال" للمواد الغذائية، وكافة المرافق التي تبيع وتقدم خدمات لها علاقة بـ "الحلال"، وخاصة المطاعم والفنادق. فهذه المرافق تحتاج لشهادات الحلال، كي تضمن فتح أبوابها أمام جميع المواطنين، إذ أن عدم وجود هذه الشهادات سيمنع دخول المتدينين أو المحافظين بدرجة أقل.

فمثلا الفنادق التي ليس لديها شهادات حلال لا تستطيع اجتذاب السياحة الداخلية، وخاصة المجموعات الكبيرة، التي تأتي من النقابات ولجان العمال والمؤتمرات، وهذا جانب يشكل نسبة عالية في السياحة الداخلية والإقامة في الفنادق.

ومع ارتفاع نسبة المتدينين من التيار المتزمت "الحريديم"، والتيار الديني الصهيوني، وتزايد قوتهم وتأثيرهم في الحكومات الأخيرة، تتزايد الضغوط في كل ما يتعلق بالقوانين الدينية، مثل ما يسمى بـ "قدسية السبت"، وحركة المواصلات، وقضية الحلال اليهودي، والذي يسري أيضا على فتح متاجر الأطعمة وغيرها في أيام السبت، وصولا إلى قضايا الزواج والقائمة تطول.

وتؤكد سلسلة من الأبحاث أن شروط الحلال اليهودي ترفع أسعار المواد الغذائية في المتاجر إلى ما بين 20% وحتى 30%، والنسبة الأعلى هي للحوم. ولكن ليس هذا وحده، بل ترفع أيضا كلفة إعداد الطعام في المطاعم والفنادق، وكل هذه الكلفة تتدحرج نحو المستهلك، مما يساهم في رفع كلفة النقاهة والسياحة الداخلية، الباهظة جدا، والتي تتسبب في ارتفاع توجه حملة الجنسية الإسرائيلية لقضاء العُطل والأعياد في الدول المجاورة والقريبة.

وإصدار شهادات الحلال احتكار للحاخامية العليا، ومن ثم المجالس الدينية في المدن والبلدات. وقال بحث سابق إن مداخيل الحاخامية العليا وحدها من إصدار شهادات "الحلال" تصل إلى 736 ملايين دولار سنويا، ولكن هذا ليس وحده الصرف على هذا المجال. فالقانون يسمح للمجالس الدينية التابعة للتيار الديني المتزمت "الحريديم"، بإصدار شهادات حلال، أكثر تشددا بكثير في شروطها من شروط الحاخامية العليا الرسمية، والتي تشكل هي أيضا عبئا كبيرا. فمثلا جمهور "الحريديم" لا يشتري البضائع، التي ليس عليها ختم مجالس "الحريديم"، بمعنى أنه لا يكتفي بشهادات الحاخامية الرسمية العليا. ومداخيل مجالس "الحريديم" تبقى بعيدا عن أنظار ورقابة سلطة الضرائب والمؤسسات المالية، ومن الصعب تقديرها بشكل دقيق.

واحتكار الحاخامية العليا لا يتوقف على إسرائيل، بل إن هذه الحاخامية مدعومة من حكومتها، لا تعترف بشهادات الحلال الصادرة عن المجالس الدينية اليهودية في دول العالم، وهذا أحد نقاط التصادم بين إسرائيل ويهود العالم. فمثلا ترفض الحاخامية الإسرائيلية تشغيل حاخامين في دول العالم، التي تستورد منها إسرائيل لحوما. بل تفرض الحاخامية الإسرائيلية ارسال حاخامين من طرفها لمراقبة المسالخ في دول العالم، وهذا الأمر إلى جانب شروط تربية المواشي، يزيد كلفة استيراد اللحوم على أنواعها بنسبة 30% على الأقل، ما يؤدي تباعا إلى رفع أسعار اللحوم الطازجة في إسرائيل.

وفي محاولة لتخفيف هذا العبء الواقع على المطاعم والفنادق، انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة إعلان محلات غذائية من مطاعم وغيرها أنها تعمل بـ "الحلال" وفق الشريعة اليهودية، بناء على فحص ذاتي، بمعنى أن المحل لا توجد لديه شهادة "حلال" من المؤسسة المحتكرة. وبدأت تصدر أوامر وزارية تلزم هذه المحال بعدم استخدام كلمة "كاشير" (حلال)، طالما أنها لم تحصل على شهادة من الحاخامية العليا، وانتقل الموضوع إلى مسار التشريعات، لسن قانون تحت عنون "منع الخداع في الحلال".

كما يطرح الداعون إلى خفض كلفة أنظمة الحلال، إلى الاعتماد على المؤسسات الدينية اليهودية في دول العالم، كي يتم تخفيض أسعار اللحوم؛ تماما كوزارة الصحة التي تعترف بشهادات صحية للأدوية الصادرة من الدوّل المصدّرة، دون أن ترسل الوزارة مندوبين عنها إلى تلك الدول، ولا يوجد أي سبب لوزارة الأديان والحاخامية الكبرى يمنعهما من الاعتراف بشهادات حلال لرجال دين يهود معروفين أيضا لإسرائيل.

الدعوى القضائية

وكما ذكر، فإن اتحادي الفنادق والمطاعم رفعا في الأيام الأخيرة دعوى إلى المحكمة العليا يطالبان فيها بكسر احتكار استصدار شهادات الحلال، وأن يكون مسموحا للمطاعم والفنادق أن تسمح لجهات دينية أخرى بإصدار الشهادات، أو أن يكون مسموحا لهم بالإعلان عن أن الحلال لديهم بناء على رقابة ذاتية، ليكون قرار الاستهلاك مرتبطا بالمستهلك ذاته.

كما يطلب الاتحادان إلغاء القانون الجديد الذي يحظر عليهم استخدام كلمة "حلال"، طالما أن المرافق ليست حاصلة على شهادات حلال من الحاخامية الرسمية أو من مجالس "الحريديم". واللافت أن هذا القانون لم يأت بمبادرة فقط من الكتل الدينية في حكومة بنيامين نتنياهو، بل أيضا من حزب "الليكود" الحاكم، الذي هو بطابعه علماني، ولكن أداء نوابه في السنوات الأخيرة بات يتوافق أكثر مع قوانين الإكراه الديني.

وجاء في الدعوى القضائية أن الحاخامية العليا تفرض مقاييس مشددة، لا تتطلبها أصول الحلال أصلا. ويقول أصحاب ومديرو فنادق إن الحاخامية تسيطر على قائمة الطعام لديهم، وتملي عليهم من يقدم الطعام، وماذا يتم تقديمه للضيوف. فعلى سبيل المثال تمنع الحاخامية تقديم التوت والتين، وفي المقابل تسمح بتقديم الفطريات، ولكن من إنتاج شركات محددة، أما في ما يتعلق بالفول، فيجب أن يكون من الصنف الأبيض والمفلوق.

كما يتبين أن الحاخامية تفرض قيودا على النباتات الورقية، مثل الخس والبقدونس والحبق والرشاد وغيره من الأعشاب، إذ يجب أن تكون من حقول خاضعة لمراقبة الحاخامية العليا، مثل شركة "غوش قطيف"، وهذا اسم التكتل الاستيطاني الذي كان قائما في قطاع غزة. كما منعت الحاخامية بعض الفنادق من تقديم البيض، وطلبت منهم شراء مواد غذائية بديلة للبيض.

ويقول رئيس اتحاد المطاعم شاي بيرمان إن "الكثير من المطاعم تريد أن تعمل وفق الحلال، ولكنها ترتدع عن ذلك بسبب بيروقراطية الحاخامية العليا، وتصرف الحاخامين ومراقبي الحلال. الكثير من أصحاب المطاعم يشعرون أنهم رهائن لدى الحاخامية المحلية (في المدن والبلدات)، والترتيبات والإملاءات التي يفرضها الحاخامون علينا، هي ليست بالضرورة مرتبطة بأصول الحلال والمراقبة الحقيقية على الطعام. إنهم يملون علينا مع من نعمل، وبأي حجم عمل، وكم ندفع، والكل باسم الحلال، ولكن دون أي علاقة به".

دوافع تجارية والكلفة العالية

تتضمن لائحة الدعوى الكثير من التلميحات لدوافع كما يبدو تجارية تقف وراء أنظمة الحاخامية، إن كانت المحلية أو العامة، وتقف وراء الشروط التي يفرضها مراقبو الحلال، خاصة في مسألة التدخل في الجهات التي تشتري منها الفنادق والمطاعم الأغذية والمواد الخام، وفي أحيان أيضا الأواني. ويقول اتحادا الفنادق والمطاعم إن شبكة علاقات اقتصادية تتستر من وراء الكثير من إملاءات الحاخامية، وهذا يبرز في الشروط المختلفة التي تطرحها حاخامية في مدينة ما عما يتم طرحه في مدينة أخرى.

ونقلت صحيفة "ذي ماركر" عن مصدر في قطاع الفنادق قوله إن بعض الفنادق الكبيرة تستطيع في أحيان عديدة تجاوز إملاءات الحاخامين بالتوافق، وإنه في أحيان كثيرة تجد أن الأنظمة والإملاءات تختلف من مكان إلى آخر في المدينة الواحدة. وهذا يظهر أيضا من خلال المشروبات الكحولية التي يجوز إدخالها إلى المطاعم والفنادق الحاصلة على شهادات الحلال. فالغالبية الساحقة من المشروبات الكحولية هي مستوردة، وليست كلها حائزة على شهادة حلال.

وليست الشروط والاملاءات وحدها هي المشكلة، بل أيضا الكلفة الباهظة لاستصدار شهادات الحلال، فمثلا المطاعم المتوسطة من حيث الحجم، تكلفها شهادات الحلال ما بين 20 ألفا إلى 40 ألف شيكل. وطبعا الكلفة تتضاعف في حال مطاعم أو فنادق كبيرة، إذ في هذه الحالة يتم دفع راتب ثابت للحاخام مراقب الحلال، وفي أحيان يكون أكثر من حاخام واحد، كي تتم المراقبة على مدار ساعات اليوم الـ 24. وكلفة هؤلاء ليست فقط بالرواتب، بل أيضا الغرفة الفندقية التي تمنح له مجانا في نهاية الاسبوع، بقصد يومي الجمعة والسبت، كي يتم مراقبة "قدسية السبت" في تلك الفنادق.

وقبل كل هذا، فإن تأسيس المطبخ في الفنادق والمطاعم يستلزم كلفة زائدة جدا، كي يكون مهيأ لشروط الحلال، مثلا ضرورة زيادة عدد الثلاجات الكبيرة وغرف التبريد كي يتم الفصل بين الألبان والأجبان، وبين اللحوم، وهذا يسري أيضا على أجهزة الغسل الأوتوماتيكية والأجران، وأيضا أواني المطبخ. والى جانب كل هذا ضمان شبكة كهربائية خاصة، قادرة على العمل وحدها أيام السبت، لتسخين الأطعمة التي لا يجوز طبخها في ساعات "السبت اليهودي" وغيرها من الشروط.

ويقول تقرير الصحيفة إن الكثير من أصحاب الفنادق والمطاعم يختارون التماشي مع الشروط، وعدم الدخول في صدام، كي لا يتم تشديد الشروط عليهم، وكي لا يتعرضوا إلى إجراءات وممارسات انتقامية، تزيد عليهم أعباء شروط الحلال. ويقول رئيس اتحاد الفنادق نوعز بار نير إن أصحاب المطاعم والفنادق يتخوفون من تقديم شكاوى، كي لا يتم منعهم من الحصول على شهادات الحلال، فهناك من خسر الشهادة ذات مرّة، وهو ليس معنيا أن يخسرها من جديد بعد أن استردها. والفنادق الصغيرة في المناطق البعيدة عن المركز، هي المتضررة الأكبر، بقصد أن كلفة استصدار شهادات الحلال باهظة بالنسبة لها.

ويتبين من تقرير "ذي ماركر" أن الكلفة لا تتوقف فقط عند كلفة شراء الأغذية والرواتب والرسوم، بل أيضا تصل إلى طواقم العاملين، إذ تطلب الحاخامية على كل مستوياتها عدم تشغيل "الأغيار" (غير اليهود) في عدة أمور في المطابخ، تبدو غريبة كليا، كي لا يكون الطعام من "طبخ الأغيار"، ولهذا يُحظر على "الأغيار"، وهم في غالبيتهم الساحقة من العاملين العرب، إلى جانب العمال الأجانب، أن يشعلوا الغاز، أو كهرباء الأفران، وأن يدخلوا الصواني إلى الأفران، وإذا هذا لا يكفي فمحظور على العرب حتى أن يفقسوا البيض وغيره. وهذا يتطلب وجود عامل يهودي على الأقل ليتمم هذه الأمور الهامشية، حينما يُدار المطبخ من مهنيين عرب.

وما يقلق الشارع الإسرائيلي أكثر في هذه المرحلة هو أن هذه السطوة الدينية على تفاصيل حياته اليومية الدقيقة، وما ينجم عنها من تقييد حركيات وحركة، وكلفة معيشة أعلى من الطبيعي، ستشتد أكثر في السنوات اللاحقة مع ارتفاع نسبة المتدينين أكثر بين اليهود، ما يجعلهم قوة سياسية أكبر في البرلمان ومن ثم في الحكومة.

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي