تُسعف المقابلة التي أدلت بها راحيل ليئيل، المديرة العامة المنتهية ولايتها لـ"الصندوق الجديد لإسرائيل"، إلى مجلة "غلوبُس" الإسرائيلية (طالع ص 3) في رسم المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن واستشراف بعض إحالاته.

 

وتشير ليئيل، من ضمن عدة أمور أخرى، إلى أن اليمين الإسرائيلي يشعر بأن الأرض تهتز من تحته على خلفية اتساع وتعمّق التحقيقات الجنائية ضد رئيس الليكود ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. كما تشير إلى أسباب ذات طابع سياسيّ تؤجّج شعور اليمين بأن الأرض تهتز تحته. فبرأيها أن العالم ليس معه، وهذا العالم لا يصفق للاحتلال (في أراضي 1967) ويبدي قلقاً شديداً حيال ما يجري هنا وما سيؤول إليه من عواقب وخيمة. والليكود مسيطر على مقاليد السلطة منذ سنوات طويلة جداً، لكنه ما يزال يشعر بأنه "أقلية مُلاحَقة" ويمتنع عن تقديم أجوبة حقيقية على الأسئلة الجوهرية التي يطرحها المواطنون. ولهذا، بكل بساطة: يحتاج هذا اليمين إلى عدو. وهذه أساليب معروفة في التخويف والتحريض والتضحية بكبش فداء. وتؤكد أن كبش الفداء الآن وهنا، هو "الصندوق الجديد لإسرائيل" (صهيوني)، فضلاً عن وسائل الإعلام وكل من يتم توصيفه من طرف هذا اليمين بأنه "يسار".

بعد أن أدلت ليئيل بهذه المقابلة تفاقمت بين أوساط هذا اليمين، وعلى وجه التحديد داخل صفوف الليكود، الحرب ضد المجموعة التي تطلق على نفسها اسم "الليكوديون الجُدد" (طالع مادة سليم سلامة، ص 2). هذه الحرب وإن كانت تندرج في إطار معارك الوراثة والقيادة في الليكود ومعسكر اليمين عموماً، فمن المتوقع أن تترتب عليها تداعيات سياسية يجدر بكل المعنيين متابعتها.

إلى هنا يمكن إرجاع المسألة بمعظمها إلى اجتهادات خاصة تتعلق بالمشهد السياسي الإسرائيلي حسبما أسلفنا، لكن بعض الاستنتاجات المبنية على هذه الاجتهادات تبدو أقرب إلى الرغائب منها إلى استشراف الإحالات التي تظهر بأنها منطقية.

وحتى لا يكون هذا الكلام طلسمياً بعض الشيء، نلفت إلى فقرات أخرى من المقابلة ذاتها مع ليئيل ألمحت فيها إلى أن أقصى ما قد يشعر اليمين الإسرائيلي به أنه مضغوط، أكثر من أن الأرض تهتز تحته. ويعود سبب شعوره بالضغط إلى التحقيقات الجارية مع زعيمه شبه الأوحد منذ نحو عقد نتنياهو في عدة قضايا فساد منسوبة إليه. كذلك ألمحت إلى أن "الصندوق الجديد لإسرائيل" استقطب جلّ الهجوم اليمينيّ السافر المنافح عن نتنياهو لأنه (الصندوق) قام بملء الفراغ الناجم عن انعدام معارضة سياسية حقيقية لحُكم اليمين.

وحرفياً قالت ليئيل: "في الوضع الطبيعي، كان ينبغي أن تكون المعارضة السياسية في الواجهة وأن تكون هي العنوان لأي هجوم أو تحريض سياسي. لكن لا معارضة سياسية قوية في إسرائيل، بل هي لا تعرف حتى تحديد موقعها الأيديولوجي الصحيح في الكثير من الأحيان. أنظروا ما يحدث في حزب العمل. أما حركة ميرتس فهي حزب صغير أكنّ التقدير له ولأعضائه، لكنه غير كاف. وأما القائمة المشتركة فلا يأخذونها في الحُسبان أصلاً".

بطبيعة الحال فإن انضغاط اليمين قد يدفع به أيضاً نحو مغامرات خارجية، والمقصود مغامرات عسكرية. ولإسرائيل سوابق في هذا الصدد. غير أن اللجوء إلى خيار كهذا يظل في تقديرنا بحاجة إلى ضمانات أكيدة بأن تكون نتائجه مغايرة لنتائج خيارات مماثلة قريبة سابقة لم تجلب "المجد والفخار" لمن اتخذ القرارات بشأنها.

تطالعون في هذا العدد أيضاً تقريراً حول تقديرات "المجلس الوطني للشؤون الاجتماعية- الاقتصادية" (هيئة في ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية) بشأن تركيبة إسرائيل السكانية في العام 2040 (طالع ص 7). ووفقاً لهذه التقديرات، من المتوقع أن تطرأ زيادة على عدد سكّان إسرائيل حتى العام 2040 بنسبة نحو 56 بالمئة، وستكون تركيبة السكان في ذلك العام مختلفة كثيراً عما هي عليه اليوم، حيث ستتقلّص- بموجب تعريف هذا المجلس- شريحة السكان اليهود غير المتدينين في مقابل ارتفاع نسبة اليهود الحريديم المتشددين دينياً.

تكمن أهمية هذه التقديرات في كونها تنطوي على دلالات مهمة تتعلق بوجهة المجتمع الإسرائيلي التي سوف تقرّر خطّ مسار إسرائيل السياسي والاقتصادي- الاجتماعي. فمثلاً، من مفاعيل زيادة نسبة اليهود المتدينين تفاقم تحوّل إسرائيل إلى دولة أكثر دينية وأقل ديمقراطية، علماً بأن هذه الأخيرة تبقى شكلية بموجب المقاييس والمؤشرات العالمية. وهذا التحوّل من شأنه أن يلقي بظلاله لا على كيفية تطور المشهد السياسي الإسرائيلي الداخليّ فحسب وإنما أيضاً على جوهر موقف المؤسسة السياسية الإسرائيلية حيال محيطها الإقليمي ولا سيما حيال الفلسطينيين بمن في ذلك فلسطينيو الداخل الذين لمسوا أخيراً تصعيداً جديداً في الهجوم السياسي عليهم بذريعة الأمن المعهودة.

وحتى قبل هذه الزيادة المتوقعة في نسبة اليهود المتدينين، لاحت مؤشرات قوية إلى أن المعركة الداخلية بين السكان اليهود في إسرائيل حُسمت لصالح اليهود المتدينين في مقابل غير المتدينين. وإذا ما نوهنا بأنه لا يمكن إدراج جميع اليهود غير المتدينين ضمن شريحة العلمانيين، ناهيك عن أن هؤلاء جميعاً ليسوا جزءاً مما يُسمى "معسكر اليسار- الوسط" الذي يحارب بضراوة أيضاً كي تكون إسرائيل دولة يهودية، وبذا يؤجّج مساعي تحولها إلى دينية أكثر، نصل إلى مبرّر آخر، ليس الأخير بالتأكيد، يفنّد المقولة الذاهبة بأن الأرض تهتزّ تحت أقدام اليمين الإسرائيلي على وقع التحقيقات الجنائية مع رئيس الحكومة.