يعرّف الالتماس انتشار حوادث العمل في مواقع وورشات البناء بكلمة وباء القوية والمشحونة. وهو يشير بالمعطيات الدقيقة إلى مدى خطورة الوضع السائد، إذ أنه من العام 2000 وحتى العام 2015 قُتل 480 عامل بناء، وهم يشكلون نحو 52% من مجمل الضحايا القتلى في حوادث العمل خلال الفترة المشار اليها.

 

ووفقا للمعطيات التي تراكمت وجُمعت في العام 2016 من قبل تحالف النضال ضد حوادث أعمال البناء، التي تعتمد على هيئات صحية مثل الاسعاف، فقد قُتل 49 عامل بناء عام 2016، وأصيب ما يفوق 200 عامل بشكل متوسط حتى قاس، وفقا للمعايير الطبية المعتمدة رسميا. ومنذ مطلع العام الجاري 2017 حتى كتابة الالتماس قتل 14 عامل بناء واصيب 110 عمال.

ويورد الالتماس دلالة على مستوى الأمان المتردي جداً في مواقع وورشات البناء في إسرائيل، من خلال المقارنة مع دول اخرى تقع ضمن خانة الدول الموصوفة بـ"المتطورة": يقتل في إسرائيل نحو 13 عاملا من بين كل 100 ألف عامل بناء، وهذا المعطى يشير إلى ان حجم الاصابات اللاحقة بعمال البناء في البلاد هو اكبر بـ 5ر5 ضعف مما في بريطانيا وأكبر بما يفوق الضعفين من المعدل في الاتحاد الاوروبي.

وإلى جانب القتلى، شهداء العمل، فإن عدد المصابين في حوادث العمل من هذا القطاع هو بين الأعلى في المنظومة الاقتصادية. وبموجب معطيات مؤسسة التأمين الوطني: بين السنوات 2010 – 2014 كان 066ر28 متلقيا لمخصصات الإصابات بسبب حوادث العمل من قطاع البناء، وهم يشكلون 7ر12% من مجمل متلقي هذه المخصصات المتعلقة بالاصابات بين العمال الاجيرين. وهذه النسبة تعادل نحو ثلاثة اضعاف عدد عمال قطاع البناء من بين مجمل العمال في البلاد. ولا يعكس هذا المعطى عدد متلقي مخصصات الاصابات عدد الحوادث، بل يعكس فقط عدد العمال الذين "أصيبوا ونجحوا بتحصيل حقوقهم" مقابل مؤسسة التأمين الوطني.

بالاضافة إلى ذلك هناك نقص في تقديم التقارير بشأن عمال البناء المصابين في هذا الفرع ممن ليسوا سكانا في إسرائيل - العمال الأجانب. وبين الاعوام 2010- 2015 كان 6% فقط من هؤلاء بين العمال الأجيرين الذين تلقوا مخصصات عن إصابات في فرع البناء، وهذا المعطى منخفض بشكل واضح في ضوء حقيقة انه خلال تلك السنوات شكل أولئك العمال نحو نصف عمال البناء الذين قتلوا في حوادث هذا القطاع.
هناك موارد قليلة وتفتيش ضئيل وتطبيق محدود جدا للقانون مقابل هذا الوضع القاسي، مما يجعل السلطات المسؤولة عديمة الفعل في هذا السياق. هذا يشمل الموارد القليلة المخصصة لمديرية الأمان، ما ينعكس على نطاق وجودة عمليات التفتيش وتطبيق القانون التي نشهدها في هذا القطاع. فهناك نحو 17 مفتشا فقط مسؤولون عن نحو 13 ألف ورشة بناء تقدم التقارير لمديرية الأمان. أي ان كل مفتش مسؤول في نفس الوقت عن نحو 750 ورشة بناء بالمعدل. نتيجة لذلك فان نسبة قليلة فقط من مواقع البناء تحظى بزيارات رقابة للمفتشين، ما يجعل مستوى التفتيش ميدانيا شديد الهامشية.

وقد اكد هذا الامر مراقب الدولة في تقريره في ايار 2016 اذ قال انه بين السنوات 2009- 2014 زار مفتشو المديرية أقل من نصف مواقع البناء فقط. وبالتالي فإن معدل وتيرة زيارة المفتشين لموقع البناء تكون مرة واحدة كل سنتين ونصف السنة.. ويشير الملتمسون إلى أن هذا المعطى بالذات إشكالي وخطير جدا في ضوء طبيعة العمل في قطاع البناء. اذ أن ورشات البناء بطبيعتها متغيرة جداً، والواقع الميداني يتبدل بوتيرة عالية، وينتقل العمال من ورشة لأخرى، مما يلزم بزيادة وتيرة الزيارات اكثر حتى من مواقع عمل أخرى.

الالتماس يتوقف عند مسألة تطبيق أوامر الأمان الصادرة ومتابعة تنفيذها، وهي تعتبر وفقا للمعطيات والمعلومات أن مستوى التطبيق متدن جدا، وفي بعض الأماكن عادت مواقع أعلن عن وجوب اغلاقها إلى العمل من دون ان يتواجد مفتش مديرية الأمان في الموقع لفحص ما اذا تم تغيير الوضع فيها. وهذا مخالف للقانون الذي ينص على انه لا يُسمح بإعادة العمل في موقع أصدِر ضده امر أمان، طالما لم يتم فحص الموقع من قبل مفتش العمل والتأكد من اصلاح الخلل فيه.

ويورد الالتماس عدة امثلة على التدني المتردي بتطبيق الأوامر. مثلا في شباط 2016 خلال زيارة مفتش عمل لمشروع "كنيون ريشونيم" الذي نفذته شركة مقاولة اسمها "دينيا سيبوس"، تبيّن وجود مخالفات لأوامر أمان سبق أن اصدرتها مديرية الأمان في وزارة العمل، وتم فتح تحقيق جنائي واستدعاء مسؤولين في الشركة والموقع للتحقيق تحت طائلة التحذير. ولكن بعد ستة اشهر من فتح التحقيق على مخالفة الأوامر، وقع حادث قاس في موقع البناء نفسه فسقط في آب 2016 عامل فتى عمره 17 عاما عن ارتفاع 10 امتار ونقل مصاباً إلى المستشفى. ويشار هنا إلى ان أوامر الأمان في العمل تمنع أصلا تشغيل من يبلغ عمرهم 17 سنة في مواقع عمل مرتفعة لكن الشاب عمل على سطح مصنوع من المعدن وسقط من فتحة لم تكن مغطاة ولم يكن يعتمر خوذة وغير مربوط بحبال الأمان! أي ان عدم تطبيق الأوامر لا يقتصر فقط على إبقاء الباب مفتوحاً أمام مخاطر وحوادث جديدة متراكمة، بل انه لا يسمح باستيفاء الإجراءات القانونية الفعلية والحقيقية مع المشتبه بتحملهم مسؤولية هذه الحوادث التي يكون ثمنها حياة وسلامة بشر (مستضعفين!).