تحتل مسألة العلاقة بين رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية، بنيامين نتنياهو، ووسائل الإعلام المختلفة في إسرائيل موقعاً مركزيا في الحياة الإسرائيلية العامة تشغل أوساطا مختلفة، سياسية واقتصادية وإعلامية وقضائية، لما تحمله من إسقاطات وتداعيات عديدة على هذه المجالات كلها، وخاصة في ضوء التحقيقات الجنائية التي تجرى مع نتنياهو هذه الأيام على خلفية هذه العلاقة ونتيجة لها.

وترى قطاعات مختلفة من هذه الأوساط أن نتنياهو يسعى، على نحو هوسيّ تقريبا، إلى بسط سيطرته الشخصية، من خلال موقعه السياسي، على مجمل وسائل الإعلام في إسرائيل، العامة والتجارية، وتدجينها بما ينسجم مع رؤاه وتوجهاته السياسية. وليس هذا فحسب، بل أيضا بما يخدم مصالحه الشخصية الفردية، وفي مقدمتها مصلحة بقائه شخصياً على رأس الهرم السياسي في البلاد.

ويعتبر نتنياهو شخصياً، كممثل وزعيم لليمين الإسرائيلي الذي يشن حرباً منهجية قديمة على وسائل الإعلام في إسرائيل بدعوى كونها "يسارية" و"بوقا لليسار"، كل ما تطرحه وسائل الإعلام هذه من نقد له ولسياساته وما كشفته وتكشفه من فضائح الفساد الحكومي المستشري عامة، والمتورط فيها هو شخصيا خاصة، "جزءاً من حملة منظمة لإسقاط الليكود واليمين من الحكم واستبدالهما بسلطة يسارية"، متوعداً بـ"مواصلة التصدي لكل حملات التشهير الخبيثة، دفاعاً عن أمن إسرائيل وازدهارها"، حسبما كتب على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) مؤخراً.


وفي "تصديه لهذه الحملات"، شنّ نتنياهو خلال الأشهر الأخيرة بشكل خاص هجوماً عنيفا على عدد من وسائل الإعلام في إسرائيل وعدد كبير من الصحافيين العاملين فيها في إثر الكشف عن سلسلة الفضائح الجديدة التي يشتبه في تورطه فيها والتي اضطرت المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، إلى إصدار تعليمات بإجراء تحقيقات جنائية بشأنها، في مقدمتها ملف محادثاته مع مالك صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "واي نت"، أرنون (نوني) موزيس، والمعروف باسم "ملف 2000"، وملف "الهدايا" التي أغدقها عليه وعلى زوجته، سارة، رجل الأعمال أرنون ميلتشين، الذي يملك 10% من أسهم القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، والمعروف باسم "ملف 1000"، إضافة إلى قضية امتلاك الغواصات الحربية من ألمانيا.

وتكشف القضيتان الأوليان ("ملف 2000" و"ملف 1000")، إلى جانب حربه الضروس ضد "الهيئة العامة للبث" لإجهاضها قبل انطلاقها والحيلولة دون إطلاق بثها التلفزيوني والإذاعي المخطط بذريعة "تجنيدها أغلبية يسارية من بين العاملين الجدد فيها"، وإلى جانب مشروع القانون الجديد الذي يعدّه "لتنظيم قطاع الاتصالات في إسرائيل" ـ تكشف هذه جزءا أساسياً من المحاولات المحمومة التي يبذلها نتنياهو بصورة منهجية من أجل إحكام السيطرة على وسائل الإعلام والاتصالات في إسرائيل.

وقد شكل هذا المسعى الدافع المركزي وراء قرار نتنياهو الاحتفاظ لنفسه بحقيبة وزارة الاتصال في حكومته الجديدة ووراء إرغامه شركاءه في الائتلاف الحكومي الجديد على التوقيع على وثيقة يحظر عليهم المبادرة إلى، أو تأييد، أي تشريع قانوني في مجال الإعلام والاتصالات في إسرائيل. ولئن كان أمرا طبيعيا ومعتادا إشغال شخصية سياسية هذه الحقيبة الوزارية، كغيرها من الحقائب الوزارية الأخرى، إلا أن الفارق الجوهري هنا يكمن في الميل الهوسيّ الذي يبديه نتنياهو في حربه ضد وسائل الإعلام دفاعا عن سلطته من جهة، وفي تركيزه جملة من الصلاحيات في هذا المجال بين يديه، على نحو غير مسبوق، من جهة أخرى، وهو ما عبّر عنه عنوان "مؤتمر الصحافة" الذي عقد في مدينة إيلات مؤخراً: "هكذا ينوي نتنياهو إعادة ترسيم وتصميم خارطة الإعلام والاتصالات في إسرائيل"!

لكن نتنياهو، وفي معمعان الفضائح المتتالية والتحقيقات الجنائية المتلاحقة، اضطر إلى "التخلي" المؤقت عن حقيبة وزارة الاتصال هذه وإيداعها في عهدة الوزير المقرب جداً منه، تساحي هنغبي (وزير التعاون الإقليمي) بتعيينه "قائما بأعمال وزير الاتصال لمدة ثلاثة أشهر"، يقرر في ختامها إن كان سيجعل هذا التعيين ثابتا ودائما. غير أن هذا التعيين الاضطراري لا يغلق الباب أمام تأثير نتنياهو المباشر على هذه الوزارة، قراراتها وإجراءاتها ومجمل عملها، ولو من خلال مديرها العام، شلومو فيلبر، الذي يُعتبر "رجل نتنياهو"، وهو الذي عيّنه لهذا المنصب عند تشكيل حكومته الجديدة.

ولم يأت اضطرار نتنياهو إلى اتخاذ هذه الخطوة إلا تحت ضغط الالتماسات التي قدمتها أطراف مختلفة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ضد إشغاله منصب وزير الاتصال، وعلى خلفية التقديرات التي أشارت إلى أن المستشار مندلبليت لن يستطيع الدفاع عن استمرار تولي نتنياهو هذه الوزارة أمام المحكمة العليا، وخاصة حيال علاقاته العميقة مع أرنون ميلتشين المذكور، صاحب الأسهم في القناة التلفزيونية العاشرة التي تخضع، في كثير من جوانب عملها وتمويلها، لسلطة هذه الوزارة مباشرة، علاوة على علاقاته الوثيقة مع رجل الأعمال شاؤول ألوفيتش، مالك شركتيّ الاتصالات والإعلام "بيزك" و"يِس" وما يتفرع عنهما وموقع "والّا"، علماً بأن مندلبليت كان قد أصدر تعليمات صريحة تمنع نتنياهو من معالجة أي من أمور هذه الشركات "نظراً لتضارب المصالح"!

واعتبرت عضو الكنيست زهافا غالئون (رئيسة حركة "ميرتس")، التي تقدمت بأحد الالتماسات المذكورة إلى المحكمة العليا، أن قرار نتنياهو وضع حقيبة وزارة الاتصال في عهدة الوزير تساحي هنغبي مؤقتا يؤكد أن "نتنياهو يحاول تناول الكعكة وإبقاءها كاملة في الوقت نفسه. فقد أيقن أن تضارب المصالح بينه وبين وسائل الإعلام المختلفة يفاقم وضعه القانوني تعقيداً، لكنه ليس مستعدا للتخلي عن هذه الحقيبة الوزارية الهامة جدا التي تمكّنه من مواصلة تهديد الصحافيين وإشهار السيف فوق رقاب وسائل الإعلام التي لا تمتثل لسلطته ورغباته".

محاولات يمينية متكررة... لكن النتيجة عكسية"!

كل ما يقوم به نتنياهو الآن، كل ما أنجزه وما سوف ينجزه في مجال السيطرة على سوق الإعلام والاتصالات، من قوانين وإجراءات إدارية وقرارات اقتصادية، يثير غضباً وقلقا شديدين لدى أوساط سياسية، إعلامية، حقوقية واقتصادية عديدة، لما يحمله من تأثيرات وانعكاسات سلبية بعيدة الأثر والمدى على خارطة وأداء وسائل الإعلام والاتصالات في إسرائيل لسنوات، بل عقود، كثيرة وطويلة، لكنه يبدو "غير كاف، على الإطلاق" في نظر أوساط يمينية مختلفة تعتقد بأن التغييرات التي حصلت حتى الآن، وكذا التي تحصل قريبا ترتباً على الإجراءات والقرارات التي أصبحت ناجزة، لا تعدو كنها "إجراءات وتغييرات شكلية" لا تحقق المنشود والمطلوب من وجهة نظرها وإنما "تكرس واقع استمرار الهيمنة اليسارية على وسائل الإعلام".

وتبدي هذه الأوساط اليمينية قلقا متزايدا من حقيقة أن الإجراءات التي أقدم عليها نتنياهو، وإن كانت تشكل استمراراً طبيعيا، مع تصعيد بارز، لمساعي اليمين الإسرائيلي في هذا المجال منذ الانقلاب الذي حققه (اليمين) في السلطة في العام 1977، إلا أنها لم تخرج خلال السنوات الـ 12 من تولي نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية عن دائرة "الاهتمام باللاعبين ومعالجة أدائهم، بدلا من إحداث التغيير الجوهري في قواعد اللعبة ذاتها".

هذا الرأي عبر عنه مؤخرا مدير "جمعية حق الجمهور في المعرفة"، المحامي زيف ماؤور، في مقال نشره على موقع "ميداه" اليميني في مطلع شهر شباط الأخير تحت عنوان "اليمين والإعلام ـ أين أخطأنا". وهذه الجمعية، التي تنشط في "مراقبة وسائل الإعلام وأدائها المنحاز أو غير الأخلاقي"، هي جمعية يمينية تأسست في العام 1995 بمبادرة من البروفسور إلياهو بولاك، أستاذ الفيزياء الكيميائية في "معهد وايزمان للعلوم" والرئيس السابق لـ"منتدى الأساتذة الجامعيين للمناعة السياسية والاقتصادية" والذي عيّنه وزير التعليم الحالي، نفتالي بينيت، في حزيران من العام الماضي، عضوا في "مجلس التعليم العالي" الإسرائيلي.

ويذكّر ماؤور، في مقالته هذه، بأن حكومات اليمين في إسرائيل تقود تغييرات في مجال الإعلام منذ أربعة عقود، لكنه يقرر أن "النتيجة النهائية لهذه التغييرات كلها، حتى الآن، هي: تضاعُف الانحياز واستمرار الهيمنة اليسارية"!

ثم يستعرض محاولات اليمين التي انتهت، خلال العقود الأربعة الأخيرة، إلى "إخفاقات في إحداث التغيير الجوهري المنشود" فحققت "نتائج عكسية" (تتمثل في تكريس هيمنة اليسار على وسائل الإعلام). فبُعيد الانقلاب السياسي في السلطة الحاكمة وصعود اليمين، بقيادة مناحيم بيغن، إلى سدة الحكم للمرة الأولى في إسرائيل في العام 1977، شكّل وزير التعليم، زبولون هامر، ووزير الاتصال، إسحاق موداعي، "لجنة كوبيرسكي" لفحص ومعالجة "مشكلة الإعلام الإسرائيلي"، فأوصت هذه بإنشاء قناة تلفزيونية جديدة (ثانية) في إسرائيل، إذ لم يكن في البلاد آنذاك سوى القناة التلفزيونية الأولى (التابعة لـ"سلطة البث" الرسمية). وتأسيساً على ذلك وعلى أن "الجمهور في إسرائيل لا يكتفي بوسائل الإعلام التي توفرها الدولة له اليوم"، أُعِدّ في العام 1986 "مشروع قانون السلطة الثانية للتلفزيون والإذاعة" الذي سنّه الكنيست في العام 1990 وتمخضت عنه إقامة القناة التلفزيونية الثانية، إلى جانب عدد من محطات الإذاعة، المناطقية والتخصصية. لكن هذا القانون وما تمخض عنه شكّل، وفق ماؤور، "المحاولة الفاشلة الأولى من جانب حكومة يمينية لاستخدام سلطتها من أجل محاربة وتقليص الهيمنة اليسارية على الإعلام".

ثم، حيال فشل القناة الثانية في "تحقيق الغاية المرجوة"، إذ تبين أنها "نسخة طبق الأصل عن القناة الأولى المنحازة"، نشأت الحاجة إلى "خطوة جديدة تُغني سوق الإعلام، هذه المرة، بألوان جديدة"، لكن "بدلا من ذلك، عادوا وكرروا اللعبة ذاتها فكانت النتيجة مماثلة تماما". كان ذلك، حين تولى بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الأولى، إذ قرر تشكيل "لجنة بيلد" لفحص سوق الاتصالات والإعلام، فأوصت هذه بإحداث "ثورة" تمثلت في إنشاء قناة تلفزيونية ثالثة، هي القناة العاشرة. وقد تحقق ذلك، بالفعل، بعد سنتين من تقديم اللجنة المذكورة توصياتها. وحين أقيمت القناة العاشرة كانت بملكية رجل الأعمال رون لاودر، صديق نتنياهو المقرب جدا فكانت التوقعات "أن تكون هذه القناة يمينية، بالضرورة". لكن ما حصل على أرض الواقع أن "هذه القناة داست على رغبات الجمهور الإسرائيلي وأصبحت ظلا باهتا للقناة الثانية"، كما يصف ماؤور، "فلم يكن للسياسيين فيها أي موطئ قدم، بل ولم يكن لمالكها أي حق في التدخل بما يجري فيها".

الخطوة الثالثة "التي شخصت أبصار اليمين إليها وعلق عليها آماله"، كما يقول ماؤور، كانت الانتقال من طريقة الامتيازات لتشغيل المحطات التلفزيونية والإذاعية إلى طريقة الترخيصات ـ وهي خطوة تولدت بداية في عهد حكومة "كديما" الأولى، برئاسة أريئيل شارون، في مستهل العقد الحالي. والفرق بين الطريقتين، أساسا، هو أن إنشاء قناة تلفزيونية كان يحتاج ـ وفق الطريقة الأولى ـ إلى قرار حكومي بشأن الحاجة إلى قناة كهذه، لتجرى من ثم مناقصة يتقدم المعنيون بإقامة وتشغيل هذه القناة إلى مناقصة للفوز بالامتياز. أما بموجب الطريقة الثانية، فبإمكان كل معني أن ينشئ قناة تلفزيونية تجارية مقابل دفع مبلغ من المال للدولة لقاء رخصة خاصة لذلك، إلى جانب تخويل الدولة (الحكومة) بعض الصلاحيات في وضع وتطبيق بعض الشروط. غير أن أية قناة تلفزيونية تجارية جديدة لم تقم منذ بضع سنوات، رغم توفر الإمكانية القانونية لذلك، نظراً لأن "الشروط الإدارية تجعل المغامرة التجارية بعيدة جدا عن احتمالات تحقيق الربح".

وإزاء "فشل إصلاح الامتيازات"، كما يصفه ماؤور، ولدت المحاولة الجديدة التي تمثلت في إنشاء "القناة 20"، التي تعمل ضمن الرخصة الممنوحة لقناة "موريشت"، التي تمثل جمهورا من المتدينين المحافظين. غير أن رغبة "القناة 20" في إعداد وبث نشرات إخبارية (وهو ما لا تفعله حتى الآن) "يصطدم باشتراط إخضاع هيئة الأخبار فيها إلى دستور آداب المهنة المعتمد لدى مجلس الصحافة الإسرائيلي"، وهو (المجلس) "شلة من الأشخاص المثقفين، ذوي الأقدمية الذين يعرفون الصحافة الإسرائيلية ووسائلها حق المعرفة، أو بكلمات أخرى ـ جزء لا يتجزأ من الجماعة المتنفذة والمهيمنة"، كما يقول ماؤور.
الامتحان المركزي:

تغيير قواعد اللعبة

بالرغم من أن نتنياهو، كما يقرّ ماؤور، "قد وضع هذا الموضوع على رأس سلم اهتماماته في دورته الرئاسية الحالية" فاحتفظ لنفسه بحقيبة وزارة الاتصال و"شرع في تنفيذ سلسلة من الإجراءات الرامية إلى تحسين صورة الإعلام في إسرائيل" (من ضمنها: شَطر القناة التلفزيونية الثانية والفصل بين الشركتين صاحبتي الامتياز لتشغيلها؛ الإصلاح في مجال "البث العام"؛ نقل إذاعة الجيش ـ غالي تساهل ـ من سلطة الجيش إلى سلطة وزارة الدفاع؛ وغيرها من الإجراءات)، إلا أن "القاسم المشترك لهذه الإجراءات جميعها هو تركيزها على وسائل إعلام محددة بعينها وبأدائها العيني، غير أنها لا تمسّ إطلاقاً بقواعد وأنظمة العمل في هذا المجال. فهو يركز جهده في اللاعبين، لكنه لا يغيّر شيئاً في قواعد اللعبة". ذلك أن "المشكلة الأساس"، بحسب ماؤور، "لا تنحصر فقط في المحررين والصحافيين المنحازين أيديولوجيا، وإنما هي تكمن، بصورة أساسية، في طريقة الرقابة ومنظومات الضبط الحكومية التي تكرّس الهيمنة اليسارية وتحول دون أي تغيير".

أما المطلوب، فعليا، "لإصلاح أوضاع الإعلام في إسرائيل"، فهو ـ كما يقول ماؤور ـ "تغيير أنماط التفكير: تغيير قواعد اللعبة الإدارية في القطاع، إزالة المعيقات، إلغاء الرقابة الصارمة وتمكين المالكين والناشرين من التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم بحرية تامة". ولهذا، فإن "الامتحان المركزي الذي سيحكم محصلة أدائه في هذا المجال سيجري وفق مقياس واحد فقط، هو: قدرته على إجراء إصلاحات بنيوية عميقة في مجال الإعلام تحقق، في نهاية المطاف، تشكيلة أوسع وأكثر تعددية، أكثر حرية وأكثر تعبيراً عن الرأي عما كان عليه الوضع في السابق".

ويوضح ماؤور، في السياق، أن ما يقصده في الحديث عن "تشكيلة أوسع وأكثر تعددية، أكثر حرية وأكثر تعبيرا عن الرأي" هو "التعبير الصادق" عن ميول الأغلبية بين الجمهور الإسرائيلي (اليهودي) وآرائها السياسية، التي تتبنى مواقف اليمين وأطروحاته السياسية. "وفي هذه النقطة، بالتحديد، تبرز إخفاقات اليمين الإسرائيلي المتكررة في محاولاته إنشاء وبلورة مؤسسات حكومية توجِّه الخطاب العام نحو اليمين".

"الطريق نحو التحرر من العبودية"!

بعد هذه المحاولات العديدة والمتكررة الفاشلة التي بذلتها حكومات اليمين المتعاقبة في إسرائيل خلال العقود الأخيرة "من أجل هندسة الخطاب والسجال العامّين وتنويعهما بصورة مصطنعة"، يرى الكاتب أنه قد "حان الوقت كي ندرك أن الهيمنة اليسارية في الإعلام لم تكن لتصمد ولو يوما واحدا فقط في وجه الجمهور الإسرائيلي لولا كون المنظِّم الحكومي متكأ لها".

ولهذا، فهو يدعو إلى "شق الطريق نحو الانعتاق من هذه العبودية": على اليمين أن يفهم أن الطريق للتخلص من الاحتكار الإيديولوجي اليساري ولتوفير التنويعة التي يستحقها الجمهور الإسرائيلي "تبدأ من إضعاف وتقليص السيطرة الإدارية"، بما يعني ليس فقط وقف التدخل الحكومي في ما يجري في داخل وسائل الإعلام عامة، وفي هيئاتها الإخبارية خاصة، وإنما أيضا، وبالأساس، "تمكين وسائل الإعلام من الانهيار... سيكون ذلك أمراً مأساوياً للعاملين فيها ولمالكيها، لكنه سيكون بشرى خير لحرية التعبير في إسرائيل"!

تقرير مدار الاستراتيجي السنوي