اتضح في الأيام الأخيرة أن الحاخامية اليهودية العليا تعمل في الأشهر الأخيرة على عرقلة استيراد العديد من البضائع، التي من المفترض أن تنافس بضائع قائمة في السوق الإسرائيلية، ومن شأن هذا الاستيراد أن يخفض أسعار بعض أصناف البضائع. وتتذرع الحاخامية تارة بنقص الوظائف الكافية لاستصدار شهادات الحلال للبضائع المستوردة، وتارة أخرى بضرورة أن تجري فحوصات أدق على هذه البضائع. إلا أنه في التقارير الواردة هناك تلميحات إلى أن الحاخامية تلعب دورا لصالح بعض الاحتكارات، فيما طالب محللون بوضع حد لمسألة الحلال وتأثيره على الأسعار العالية.

 

وقد تفجرت القضية من جديد بعد أن رفضت الحاخامية استصدار شهادة حلال لاستيراد أحد أصناف الويسكي لشركة تجارية، بزعم أنه لا يوجد موظفون كفاية لإنهاء المعاملات، وفحص صحة شهادة الحلال الممنوحة، وفق جواب الحاخامية للمحكمة العليا ردا على التماس تقدمت به الشركة ضد الحاخامية، طالبة انهاء الاجراءات.

وحسب الحاخامية، فإن التغييرات في قانون الاستيراد التي بادرت لها الحكومة، تشكل عبئا اضافيا على الحاخامية، وإن الحكومة التي زادت عدد الملاكات في وزارة الصحة، لتكون قادرة على استيعاب اتساع الاستيراد الغذائي، لم تمنح في ذات الوقت الحاخامية ملاكات اضافية. وحسب الحاخامية، فإنها بحاجة أيضا إلى فحص مدى صحة شهادة الحلال الممنوحة لشركة الويسكي تلك، وحاليا ليس لديها القدرة لتحديد هذا. إلا أن هذا لم يقنع الصحافة الاقتصادية التي ألمحت إلى احتمال أن يكون في الحاخامية من يلعب دورا لصالح الاحتكارات القائمة.

وتقول الصحافية أورن كورين "إن الحاخامية العليا تثبت عمليا ما كنا نشك فيه منذ زمن طويل: مستوردون رسميون، وشركات عالمية، تفعل فعلها من أجل منع استيراد منافس. فهم يمنعون منح تراخيص ضرورية للاستيراد، وبهذا ينسفون احتمالات المنافسة"، التي من شأنها تخفيض الأسعار، ما يجعل المستورد الرئيسي يجرف أرباحا كبيرا على حساب المستهلكين. وتضيف كورين "إننا الآن بتنا نعلم أنه انضم إلى هؤلاء جهاز مصدري شهادات الحلال في الخارج".

وأشارت كورين إلى أن في رد الحاخامية للمحكمة العليا ما يمكن فهمه، بأن الحاخامية تريد ارسال موظفين من طرفها إلى خطوط الانتاج في الخارج، ما يعني زيارات وجولات زائدة على حساب المستهلك لأن في هذا ما يرفع الأسعار، بسبب تكلفة ما تريده الحاخامية.

وما تشير له كورين قائم حاليا في قطاع اللحوم، إذ أن أسعار اللحوم في إسرائيل أعلى بنسبة تصل إلى 30% من معدل الأسعار في الدول المتطورة، وهذا بفعل شروط الحلال، وكلفة اصدار شهادات الحلال، وخاصة على اللحوم المستوردة. ويقول مستوردون للحوم إن استيراد اللحوم من أميركا اللاتينية يستوجب إرسال ما بين 10 إلى 14 رجل دين يهوديا إلى كل مسلخ سيتم الاستيراد منه، وكلفة كل رجل دين كهذا تتراوح ما بين 6 آلاف إلى 7 آلاف دولار شهريا، اضافة إلى تكاليف أخرى، ما يعني كلفة شهرية تصل إلى 100 ألف دولار، من أجل استيراد 500 طن من اللحوم المجمّدة.

وتقول سلسلة أبحاث إن متطلبات الحلال في إسرائيل عديدة جدا، وترفض إسرائيل الاعتراف بأي شهادات حلال يهودية تأتي من الخارج، رغم أن دولا فيها نسبة كبيرة من اليهود المتزمتين "الحريديم"، وحتى من الفرق الأشد تزمتا، مثل الولايات المتحدة وفرنسا، لديها مؤسسات محلية لمنح شهادات حلال، ويأكل المتزمتون من ذلك الطعام، إلا أن إسرائيل ترفض تلك الشهادات، وتريدها حكرا على مؤسسة الحاخامية الكبرى لديها.

وقال المحلل الاقتصادي في صحيفة "ذي ماركر" ايتان أفريئيل إن الخبراء والمحللين لا يستطيعون الآن القول إن غلاء المعيشة نابع من سلسلة أسباب محلية وعالمية، ومن كلفة الصرف على الأمن، بل إن السبب الاساس قائم في الاحتكارات في سوق الأغذية، مثل شركتي شتراوس وأوسم، ولأن هذه الاحتكارات تمنع بكل قوة المنافسة المفتوحة، من أجل عدم خفض الأسعار.

ويقول أفريئيل "نحن نعرف أن في إسرائيل يعمل العديد من المستوردين الاحتكاريين للكثير من الشركات العالمية. ونحن نعلم من معطيات سلطة الضريبة، أن هؤلاء المستوردين هم من الأثرياء الذين يتمتعون بمداخيل دسمة". ويضيف "هناك عدة أسباب لكون أسعار المواد الغذائية عالية في إسرائيل، مقارنة مع الأسعار في العالم، وأحد هذه الأسباب هو مسألة الحلال، وهذه ليست بقصة جديدة أو غريبة عنا، فكل سلعة غذائية بحاجة إلى ختم الحلال، وبشكل ما فإن هذا الختم مكلف لنا، ويرفع الأسعار".

ويتابع أفريئيل: إذ كنا في ما مضى نستغرب ارتفاع الأسعار، فها هي الحاخامية العليا تزودنا بالإجابة، وهذا يتضح باعتراف مكتوب في تقرير للجنة تضم ثلاثة حاخامين، مع المستشار القانوني في الحاخامية. ويضيف: إننا نفهم مما ورد أن مستوردين احتكاريين يستغلون الحاخامية، ويتعاونون معها، من أجل صد مستوردين منافسين، كي لا يخفضوا أسعار بضائعهم في السوق.

يشار إلى أنه قبل شهرين، قال تقرير المراقب العام للدولة إن في جهاز استصدار شهادات الحلال فسادا واسع النطاق يتمثل في رشاوى كثيرة. وقال المحلل الاقتصادي البارز في صحيفة "هآرتس" نحاميا شتراسلر "إن تقرير مراقب الدولة يستعرض جهازا فاسدا لرقابة الحلال، يديره احتكاريون مكلفون من الحاخامية العليا. ويجري الحديث عن حوالي 4 آلاف مراقب، يمولهم أصحاب المطاعم والفنادق مرغمين. وقد كشف المراقب خروقات فظة في شكل فحص الحلال. وروى مراقب الدولة أن مراقبي الحلال يقدمون تقارير كاذبة عن عدد ساعات عملهم، حتى نرى مثلا 24 ساعة في اليوم الواحد، وهناك من سجل 27 ساعة عمل في يوم واحد. كيف من الممكن أن يحدث أمر كهذا؟ فقط بعون الله".

وأضاف شتراسلر أن المجالس الدينية التي تمثل المراقبين تعرف عن الفساد، ولكنها تغمض عيونها. وقسم من العاملين في المجالس الدينية يعملون أيضا مراقبي حلال، على الرغم من أن هذا ممنوع. ولكن من ناحيتهم فإنها وصية دينية بأن يتم ابتزاز سلطة الأغراب أكثر ما يمكن، والقصد العلمانيين. وهذا وضع مريح للجانبين: صاحب المصلحة التجارية يدفع مقابل الساعات الاضافية التي لم تكن أصلا، بينما المراقب لا يشدد على الأنظمة، وبهذا يربح صاحب المصلحة ليونة وتسهيلات وغض طرف. وفقط الجمهور الذي يحافظ على أكل الحلال يخسر، فهو يحصل على حلال مزيف وليس سليما.